ابن قيم الجوزية

10

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

ووسمهم بأنهم شر الدواب وأعد لهم إذا قدموا عليه أليم العقاب ، وحكم لهم بأنهم أضل سبيلا من الانعام ، إذ استبدلوا الشرك بالتوحيد والضلال بالهدى والكفر بالاسلام ، وحكم سبحانه لعلماء الكفر وعباده حكما يشهد ذوو العقول بصحته ويرونه شيئا حسنا ، فقال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً . أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ، ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً [ الكهف : 103 ، 104 ، 105 ، 106 ] . فصل [ التهديد لمن حاد عن الاسلام ] فأين يذهب من تولى عن توحيد ربه وطاعته ، ولم يرفع رأسا بأمره ودعوته ، وكذب رسوله وأعرض عن متابعته ، وحاد عن شريعته ، ورغب عن ملته واتبع غير سنته ، ولم يستمسك بعهده ، ومكّن الجهل من نفسه ، والهوى والعناد من قلبه ، والجحود والكفر من صدره ، والعصيان والمخالفة من جوارحه ، فقد قابل خبر اللّه بالتكذيب ، وأمره بالعصيان ، ونهيه بالارتكاب ، يغضب الرب وهو راض ، ويرضي وهو غضبان ، يحب ما يبغض ، ويبغض ما يحب ، ويوالي من يعاديه ، ويعادي من يواليه ، يدعو إلى خلاف ما يرضى ، وينهي عبدا إذا صلى قد اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [ الجاثية : 23 ] فأصمه وأبكمه وأعماه ، فهو ميّت الدارين ، فاقد السعادتين ، قد رضي بخزى الدنيا وعذاب الآخرة ، وباع التجارة الرابحة بالصفقة الخاسرة فقلبه عن ربه مصدود ، وسبيل الوصول إلى جنته ورضاه وقربه عنه مسدود ، فهو ولي الشيطان وعدو الرحمن ، وحليف الكفر والفسوق والعصيان ، رضي المسلمون باللّه ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا ، ورضي المخذول بالصليب والوثن إلها ، وبالتثليث والكفر دينا ، وبسبيل الضلال والغضب سبيلا ، أعصى الناس للخالق الذي لا سعادة له إلا في طاعته ، وأطوعهم للمخلوق الذي ذهاب دنياه وأخراه في طاعته ، فإذا سئل في قبره : « من ربك وما دينك ومن نبيك ؟ قال : هاه هاه ، لا أدري . فيقال : لا دريت ، ولا