ابو جعفر محمد جواد الخراساني

360

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

فليس إذن بالموجود ، لعدم تماميّة اجزائه بعد في الوجود ؛ والشيء لا يوجد ، ما لم يوجد اجزائه . وإذ قد تمّ الكلام فيما للذّات من اللّوازم والذاتيّات ، فلنعد إلى التكلّم فيما هو المقصود من الدليل العقلي على وحدة الصانع ، على وجه يفيد استحالة التعدد . [ تقرير وجوه استحالة تعدد الصانع ] فاعلم : أنّ تقرير الاستحالة من وجوه ، وطريق معرفتها وسبيل استنباطها من مخارجها ، النّظر أوّلا : فيما هو المطلوب بجميع مقتضياته الثابتة له عقلا بالدّليل المثبت له ، فإنّ المطلوب اللّازم ، انّما هو الصانع ، والدليل المثبت له وجود المصنوعات ؛ كما قيل للصادق ( ع ) : « ما الدليل على الصانع ؟ قال : ( ع ) : وجود الأفاعيل . » « 1 » والعلّة المقتضية فيها ، الّتي أوجبت الالتزام بالصّانع ، إنّما هي المصنوعيّة ، فلا بدّ ان ينظر في كيفيّة اقتضاء الصنع والمصنوعيّة ومقدار اقتضائها . فأوّل ما تقتضيه والجامع لغيره من المقتضيات ان لا يكون صانعها مثلها ، إذ لو كان مثلها لكان محتاجا إلى الصانع أيضا مثلها ؛ كما مرّ قول الصادق ( ع ) جوابا عن الزنديق : « وإنّ صانعهم غيرهم ، إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجرى عليهم من حدوثهم . . . » « 2 » فلازم ذلك ان يكون موجودا ، ازليّا ، قائما بذاته ، قادرا على الصنع ، عالما به ، فيلزمه إذن ما مرّ من اللّوازم والذاتيّات لما بالذّات ، وما هو شأن الصانعيّة بمقتضى المصنوعات ، فلا بدّ ان لا يكون حادثا ولا محدودا ، ولا مركبا ولا ناقصا ، ولا مفتقرا ، ولا متغيّرا بالزوال ، ولا متبدّلا بالأحوال . ثمّ النظر ثانيا : في مقتضى امكان التعدّد من حيث هو ، مع قطع النّظر عن عدد خاصّ ، فان أمكن فرضه في نفسه ومن غير خلل في تلك اللوازم والملتزمات الثابتة العقليّة البرهانيّة ، قضى به ، ثمّ يلاحظ بعد ذلك في العدد الخاصّ والمعيّن منه ، وان صحّ وأمكن حكم به ، وإلّا حكم باستحالته ، لاستلزامه نقض ما حكم العقل بلزومه عن صرافته . والنّظر في امكان التعدد من جهات : تارة : في نفسه مع ملاحظة كون الأعداد ما بالذّات ؛ وأخرى : بملاحظة مقتضاه من المغايرة والمحدوديّة والتركيب ؛ وثالثة : بملاحظة الصانعيّة المطلوبة ، وامكان الصنع من المتعدّد . وإلى هذا أشرت بقولي :

--> ( 1 ) . البحار 3 : 29 / 3 . ( 2 ) . المصدر 3 : 29 / 3 .