ابو جعفر محمد جواد الخراساني
266
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
وإنّما أرادت الزنادقة ، توبيخ الإسلام بهذه الزندقة ؛ ليظفر الناس في كلامه على التناقض ، فيسهل عليهم ردّهم عن الدين ، فعن صفوان بن يحيى عن الرضا ( ع ) ، وقد سأله أبو قرة المحدّث ، فقال : إنا روينا أنّ اللّه قسّم الرؤية والكلام بين اثنين : فقسم لموسى ( ع ) الكلام ، ولمحمّد ( ص ) الرؤية ، فقال ( ع ) : « فمن المبلّغ عن اللّه - عزّ وجلّ - إلى الثقلين : الجنّ والأنس ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شيء أليس محمد ( ص ) ؟ قال بلى ، قال ( ع ) : فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا ، فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ، ويقول : لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علما وليس كمثله شيء ثمّ يقول : انا رأيته بعيني وأحطت به علما وهو على صورة البشر ، أما تستحيون ؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا ان يكون يأتي عن اللّه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر . قال أبو قرة : فانّه يقول : وانّه رآه نزلة أخرى ؟ فقال ( ع ) : انّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال ما كذب الفؤاد ما رأى ، يقول ما كذب فؤاد محمّد ما رأت عيناه ، ثمّ اخبر بما رأى ، فقال لقد رأى من آيات ربّه الكبرى ، فآيات اللّه غير اللّه وقد قال ولا يحيطون به علما فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة ( اى الضروريّة ) فقال أبو قرة فتكذب الرواية فقال ( ع ) : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها ؟ وما اجمع المسلمون عليه انّه لا يحيطون به علم ، ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء « 1 » . وفي حديث معاوية بن وهب ، عن الصادق ( ع ) ( الّذي ذكرت بعض جملاته متفرّقة ) ، قال له ( ع ) : يا ابن رسول اللّه ( ص ) ! ما تقول في الخبر الّذي روى « انّ رسول اللّه ( ص ) رأى ربّه » ، في ايّ صورة رآه ؟ وعن الحديث الّذي رووه « أنّ المؤمنين يرون ربّهم في الجنّة » ، على اى صورة يرونه ؟ فتبسّم ( ع ) ، ثمّ قال : « يا معاوية ! ما أقبح بالرّجل يأتي عليه سبعون سنة ، أو ثمانون سنة ، يعيش في ملك اللّه ويأكل من نعيمه ، ثمّ لا يعرف اللّه حقّ معرفته ! ثمّ قال ( ع ) : يا معاوية ! إنّ محمّدا ( ص ) لم ير الرب - تبارك وتعالى - بمشاهدة العيان ؛ وانّ الرؤية على وجهين : رؤية القلب ، ورؤية البصر ؛ ومن عنى برؤية القلب ، فهو مصيب ؛ ومن عنى
--> ( 1 ) . البحار 10 : 345 / 5 .