ابو جعفر محمد جواد الخراساني
256
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
بالّذين يهابونه ولا يعظّمون ، نظير ذلك : أحدكم إذا نظر إلى بيت اللّه الحرام أوّل مرّة ، عظّمه ، فإذا اتت عليه ايّام وهو يراه ، لا يكاد ان ينظر إليه إذا مرّ به ، ولا يعظّمه ذلك التعظيم » « 1 » . فانّ حمله على الرؤية بعيد ، سؤالا عن مثل أبي حمزة وتجويزه امكانها ، وجوابا أيضا عن الإمام ( ع ) بهذا التعليل الظاهر في التجويز ؛ بل السؤال عن علّة ذلك الحجب الخاصّ . فالمراد بالنظر ، النظر إلى كراماته الخاصّة ، والطافه المخصوصة ، فإنّ كلّ أحد لا يطيق ذلك ولا يخرج عن عهدة تحمّله ؛ كما لا يخرج عن عهدة حرمة النظر إلى بيته . وعن الرضا ( ع ) جوابا لبعض الزنادقة ، لم احتجب اللّه ؟ فقال ( ع ) : « إنّ الحجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم ، فامّا هو فلا يخفى عليه خافية في آناء اللّيل والنهار ، قال : فلم لا تدركه حاسّة البصر ؟ قال ( ع ) : للفرق بينه وبين خلقه » « 2 » . إلى آخر ما تقدّم . فانّ السؤال ثانيا ، عن علّة عدم ادراكه بحاسّة البصر ، بعد سؤاله أوّلا ، عن علّة احتجابه ، لا معنى له إلّا بحمل الأوّل على ذلك الحجاب ، وحينئذ فيستقيم تعليله ( ع ) بكثرة الذنوب الّتي توجب منع اللطف منه تعالى ، وعدم الأهليّة له منهم . وممّا يمكن دعوى ظهوره في ذلك ، قول النّبي ( ص ) : « وهو الكينون أوّلا ، الديموم ابدا ، المحتجب بنوره دون خلقه في الأفق الطامح ، والعزّ الشامخ ، والملك الباذخ ، فوق كلّ شيء علا ، ومن كلّ شيء دنا ، فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى ، وهو بالمنظر الأعلى ، فاحبّ الاختصاص بالتّوحيد إذ احتجب بنوره ، وسما في علوّه ، واستتر عن خلقه ؛ وبعث إليهم الرسل لتكون له الحجّة البالغة على خلقه ، ويكون رسله إليهم شهداء عليهم » « 3 » . والمقصود بالشهادة ، قوله ( ص ) : « إذ احتجب بنوره » ؛ وقوله « استتر عن خلقه » بعد قوله : « فاحبّ » ، وان كان يمكن ان يقال : إنّ المعنى أنّه تعالى لما احتجب عن خلقه بنوره الذاتي ، وسما بسموّه الذاتي ، واستتر باستتاره الذاتي ، فاحبّ ان يختصّ بالتوحيد الإقراري والعبادىّ ، فبعث إليهم الرسل ليدعوهم إليه ؛ وامّا قوله ( ص ) : « المحتجب بنوره » فلا موجب لصرفه عن ذلك الاحتجاب .
--> ( 1 ) . البحار 3 : 15 / 2 . ( 2 ) . المصدر 3 : 15 / 1 . ( 3 ) . المصدر 4 : 287 / 19 .