ابو جعفر محمد جواد الخراساني

189

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

فالعقل ليس يدرك الذوات * أو غائبا إلّا من الآيات وأثر الشيء سوى الشيء فما * يدرك بالآثار إلّا مبهما والصانع الثابت بالعقول * ليس بمحدود ولا مشمول والعقل لا يدرك ما لا حدّ له * والوهم لا يدرك ما لن يشمله والعقل يدرك الّذي قد قدّره * ما قدّر العقل فمحدودا يره والوهم يدرك الّذي يصرّفه * مصوّرا فهو إذن يكيّفه ما يدرك العقل أو الوهم له * ممثّل ، مشبح ، مشبّه [ مدى مدركات العقل ] فالعقل وهو أقوى المدركات الباطنيّة وفوقها دقّة ورقة ، ليس يدرك الذوات الخارجية ، أو ما كان غائبا إلّا من الآيات ؛ كما تقدّم تحقيقه عند التكلم في طريقيّة العقل ، فهو لا يدرك الذوات الخارجيّة بذاته إلّا من طريق الحسّ ، وإذا كان الشيء غائبا عن الحواسّ ، فلا يدركه إلّا بالآثار ، وأثر الشيء سوى الشيء ، وهو معلوم فلا تكون دلالة غير الشيء ادراكا له فما يدرك بالآثار إلّا مبهما ، كما تقدّم تفصيله . والصانع الثابت بالعقول الفطريّة السليمة ، ليس بمحدود بالحدود ، ولا مشمول للأوعية والظروف ، والعقل لا يدرك ما لا حدّ له ، بل كلّ ما يدركه يحدّده . وكذلك الوهم ، لا يدرك ما لن يشمله ، فلذلك لا يدركانه ، وأيضا العقل يدرك الّذي قد قدّره ، فإنّه لا يدرك إلّا ما يقدّره . وكلّ ما قدّر العقل فمحدودا يره ، والوهم يدرك الّذي يصرّفه مصوّرا ، إذ ليس ادراكه إلّا تصريفه وتصويره فهو إذن يكيّفه ، وكلّ ما يدرك العقل أو الوهم له فهو ممثّل ، مشبح ، مشبّه . [ ما ورد عنهم ( ع ) في قصور إدراك العقول والأوهام عن كنه معرفته تعالى ] قال أمير المؤمنين ( ع ) : « الحمد للّه الّذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته ، وردعت عظمته العقول ، فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته ، هو اللّه الحق المبين ، أحق وأبين ممّا ترى العيون لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبّها ، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير ، فيكون ممثّلا » « 1 » . وقال ( ع ) أيضا : « بل حارت الأوهام ان يكيّف المكيّف للأشياء » « 2 » . وقال ( ع ) أيضا : « ولا تحيطه الأفكار ، ولا تقدّره العقول ، ولا تقع عليه الأوهام ، فكلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل ، فهو محدود ؛ فمن زعم أنّ إله الخلق محدود ، فقد

--> ( 1 ) . البحار 64 : 323 / 2 . ( 2 ) . المصدر 4 : 294 / 22 .