ابو جعفر محمد جواد الخراساني
156
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
البيان والهدى ؛ كما قال تعالى : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى « 1 » ، لأنّه تعالى ما كلّف العباد إلّا وسعهم ، وليس درك الوصف منه صنعهم ؛ اي عملهم وفي وسعهم . فعن عبد الأعلى ، قال : قلت لأبي عبد اللّه ( ع ) : هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة ؟ قال : « لا ، إنّ على اللّه البيان ، لا يكلّف اللّه العباد إلّا وسعها ، ولا يكلّف اللّه نفسا إلّا ما آتيها » « 2 » . وعنه أيضا ، عنه ( ع ) ، قال : « لم يكلّف اللّه العباد المعرفة ولم يجعل لهم إليها سبيلا » « 3 » . وممّا يشمل المعرفة أيضا بعمومه ، ما عن الباقر ( ع ) : « ليس على الناس ان يعلموا حتّى يكون اللّه هو المعلّم لهم ، فإذا اعلمهم ، فعليهم ان يعلموا » « 4 » . وعن الصادق ( ع ) : « إنّما احتجّ اللّه على العباد بما آتيهم وعرّفهم » « 5 » . ويمكن ان يكون من هذا الباب ، قول أمير المؤمنين ( ع ) : « اعرفوا اللّه باللّه . . . » « 6 » . اي ، اعرفوا اللّه ببيان اللّه ، واعرفوا وصفه بتوصيفه ، ومنه أيضا قوله ( ع ) : « هو الدال بالدليل عليه ، والمؤدّي بالمعرفة إليه » « 7 » . ثمّ اعلم : أنّ هنا باب آخر ، يعبّر عنه أيضا ، بأنّ المعرفة باللّه ، لا بالاكتساب ؛ وله اخبار كثيرة ، أكثر من هذا الباب ، لكن يراد بالمعرفة هناك مرتبة حصولها في القلب ، المرادف للإذعان والاطمئنان ؛ فإنّه أيضا عند أهل البيت ( ع ) باللّه ؛ اي بتوفيقه وبتسديده وتحبيبه وشرح صدره ، لا بالبيان ولا بالاكتساب . وذلك واضح عند اولي الألباب ، وإلّا فالنبيّ ( ص ) حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم ، والبيان عامّ ، فما الّذي فرق في تأثير الإيمان في قلوب بعض ، غير ما اثر في الآخرين . [ ما المراد بالمعرفة هاهنا ؟ ] والمراد بالمعرفة هاهنا ، نفس العلم بالمعارف الواقعيّة ، وهذه المرتبة أيضا كما عرفت غير كسبيّة ؛ والفرق بين المرتبتين كالفرق بين الدواء والشفاء ؛ فانّهما معا من اللّه وباللّه ، الّا إنّ شرب الدواء لا يلازم الشفاء ، بل موقوفة بعناية أخرى . فافهم واغتنم ! فإنّ المحدّثين ، لم يتفطّنوا إلى أنّهما بابين ، فجعلوهما بابا واحدا ، فاشتبه الأمر على
--> ( 1 ) . الليل 92 : 12 . ( 2 ) . البحار 5 : 302 / 10 . ( 3 ) . المصدر 5 : 222 / 5 . ( 4 ) . المصدر 5 : 222 / 9 . ( 5 ) . المصدر 5 : 301 / 5 . ( 6 ) . المصدر 3 : 270 / 7 . ( 7 ) . المصدر 4 : 253 / 7 .