ابو جعفر محمد جواد الخراساني

116

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

أخلوا منهما ، لغلوا في الطغيان والمعصية ، كما على النّاس في أوّل الزمان ، حتّى وجب عليهم البوار بالطّوفان وتطهير الأرض منهم . وممّا يعتقده الجاحدون للعمد والتقدير ، الموت والفناء ، فإنّهم يذهبون إلى أنّه ينبغي ان يكون النّاس مخلّدين في هذه الدنيا ، مبرّئين من الآفات ، فينبغي إن يساق هذا الأمر إلى غايته ، فينظر ما محصوله : أفرأيت لو كان كلّ من دخل العالم ويدخله ، يبقون ولا يموت أحد منهم ، ألم تكن الأرض تضيق بهم حتّى تعوزهم المساكن والمزارع والمعاش ؟ فإنّهم والموت يفنيهم أولا أولا يتنافسون في المساكن والمزارع ، حتّى ينشبّ بينهم في ذلك الحروب ويسفك فيهم الدماء ، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون ؟ وكان يغلب عليهم الحرص والشّره وقساوة القلوب ، فلو وثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء ينال ، ولا افرج لأحد عن شيء يسأله ، ولا سلا عن شيء ممّا يحدث عليه ، ثمّ كانوا يملّون الحياة وكلّ شيء من أمور الدنيا ، كما قد يملّ الحياة من طال عمره حتّى يتمنّى الموت والراحة من الدنيا . فان قالوا : إنّه كان ينبغي ان ترفع عنهم المكاره والأوصاب حتّى لا يتمنّوا الموت ولا يشتاقوا إليه ، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتوّ والأشر الحامل على ما فيه فساد الدين والدنيا . فان قالوا : إنّه كان ينبغي أن لا يتوالدوا ، كيلا تضيق عنهم المساكن والمعاش ؟ قيل لهم : إذن ، كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم اللّه ومواهبه في الدارين جميعا ، إذا لم يدخل العالم إلّا قرن واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون . فان قالوا : كان ينبغي ان يخلق في ذلك القرن الواحد من النّاس مثل ما خلق ، ويخلق إلى انقضاء العالم ، يقال لهم : رجع