ابو جعفر محمد جواد الخراساني

2

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

ولكن ذلك منهم لا يغني في نشر مذهب الأئمة ( عليهم السّلام ) بالخصوص . هذا ، مع إنّهم مقتصرون في تلك الكتب على بعض النّصوص ، وعلم الكلام ، ممّا يشترك فيه كلّ الفرق ، وليس ممّا استفرد به أهل الحقّ . فوا اسفاه ! لو سأل سائل عن كتاب جامع في أصول الإماميّة ، ليس لنا إلّا الإرجاع إلى الكتب الكلاميّة ! هذا ، مع إنّ جلّ الباحثين فيها ، إنّما بحثوا فيها على أذواقهم الفلسفيّة ، ومشاربهم العرفانيّة . ولذلك اختلط مذهب الإمامية في القرون اللاحقة لا سيّما في عصرنا الحاضر بتلك المذاهب ؛ فاشتبه على الفاحص الطّالب ما هو الحقّ الخالص من بين المطالب . ولذلك كثر الاختلاف في النّاس والافتراق حسب اختلاف أولي الأذواق . فلمّا رأيت هذه المسامحة غير الحريّة ، والمساهلة غير المرضيّة ، مع هذه التوالي الفاسدة غير الصالحة للإغماض ، وعدم الحجّة المسوّغة للإهمال والإعراض ، دعتني حميّتي إلى انتهاز الفرصة باستدراك ما فات ، وبذل الهمّة في جمع تلك الشّتات ، وابرازها مجموعة محرّرة في كتاب ، وتخصيصه وضعا بمذهب الأئمّة الأطياب ( عليهم السّلام ) . فشمّرت عن ساق الاجتهاد ، مستمدا من اللّه التوفيق والسّداد ، فألّفت في ذلك ، أوّلا : كتاب « معارف الشّيعة » نثرا ؛ جمعت فيه أقوال الائمّة في « التّوحيد » و « العرفان » ؛ ورتّبته بالأبواب والفصول عنوانا بعد عنوان ، مستقصيا في كلّ فصل وباب ، ما وصل إليّ من متون الأصحاب ؛ فجاء بحمد اللّه كتابا يغني في ذلك عن كلّ كتاب . ثمّ رأيت بعد ذلك ، أنّ الغرض الأقصى والمطلوب الأسنى الّذي أتعبت له هذا الأتعاب ، وهو نشر مذهب الأئمة ( عليهم السّلام ) بين قاطبة الشّيعة في كلّ باب ، لا يتحصّل بتدوين مثل هذا الكتاب ؛ لاختصاص مطالعته بأولي الفضل والدّراية . وهم لكثرة اشغالهم ، وقلّة فراغهم ، لعلّهم لا يراعونه حقّ الرّعاية ؛ ولعلّ فيهم من لا ينظر إليه في طول سنين مرّة أو في سنة مرّة أو مرّتين على حسب الاتّفاق . فيبقى في زوايا الاختفاء مسطورا بين الأوراق ، ويكون ممّا يودّع في مضامين مخازن الكتب المصنّفة ومكاتيب الصّحف المؤلّفة ، فتنسج عليه العناكب وتتّخذه بيوتا ، وتأكل منه الديدان وتأخذه قوتا . من أجل ذلك ، بدا لي أن ألخّصه على وجه يرغب إليه الراغب ، ويتشوّق إليه الطّالب ، مع ابقاء أصله على ما هو عليه ، لمن أراد مزيد الاطّلاع ممّن له سعة الباع .