العلامة الحلي
579
نهاية المرام في علم الكلام
واحتج المتكلمون على ذلك : بأنّ الأجسام ممكنة الوجود وإلّا لما وجدت ، وإذا كانت ممكنة الوجود في زمان كانت ممكنة في كلّ زمان ، وإلّا لزم الانتقال من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي . والأولى الاعتماد على الضرورة بل هو الحق ، فلا يجوز الاستدلال عليه . مع أنّ الدليل الذي ذكروه لا يمكن الأشاعرة الاستدلال به لوروده في الأعراض . قيل « 1 » : لا يمكن الاعتماد فيه على الاستمرار في الحس ، لأنّه قد ظهر أنّ عند تعاقب الأمثال يظن الحس الأشياء المتعددة واحدا . ولأنّه منقوض بالأكوان « 2 » عند الأشاعرة . وأيضا في الدليل المذكور نظر ، لم لا يجوز أن يكون الجسم ممكن الوجود في كل آن على البدل ؟ وغير ممكن أن يوجد في آن عقيب وجوده في آن آخر . ولا يلزم من ذلك الانتقال من الإمكان إلى الامتناع ، لأنّ إمكان الوجود غير وإمكان البقاء غير ، فإنّ إمكان الوجود يطلق على إمكان الوجود ابتداء من غير شرط الثبات ، وإمكان البقاء عبارة عن إمكان وجود في آن عقيب الوجود في زمان سالف ، ولا شك في تغايرهما . ولا يلزم من اتصاف الشيء بالإمكان الأوّل وعدم اتصافه بالثاني الانتقال من الإمكان إلى الامتناع ، كالأشياء الغير القارة . وقيل « 3 » : استدلال من قال بالبقاء بانّي أعلم بالضرورة أنّني الذي كنت بالأمس ، ضعيف لأنّه مبني على نفي النفس الناطقة . ولأنّ هوية الإنسان المعيّن ليست عبارة عن الجسم فقط ، بل لا بدّ فيه من أعراض مخصوصة ، وهي غير باقية . وإذا كان أحد أجزاء الماهية غير باق لم تكن الماهية باقية .
--> ( 1 ) . القائل هو الرازي ، راجع نقد المحصل : 211 . ( 2 ) . في بعض نسخ المصدر : « الألوان » . ( 3 ) . القائل هو الرازي ، المصدر نفسه .