الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

24

نقض الفتاوى الوهابية

والتصاريف اللغوية يخفى عليه الفرق بين « التسوية » و « المساواة » . ان الذين يصرفون قوله عليه السلام : « ولا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته » إلى معنى ساويته بالأرض اي « هدمته » أولئك قوم أيفت أفهامهم ، وسخفت أذهانهم ، وضلت ألبابهم ، ولم يكن من العربية لهم ولا قلامة ظفر فكيف بعلمائهم ؟ ! ولا يخفى على عوام العرب ان تسوية الشيء عبارة عن تعديل سطحه أو سطوحه ، وتسطيحه في قبال تقعيره أو تحديبه أو تسنيمه وما أشبه ذلك من المعاني المتقاربة « 14 » والالفاظ المترادفة ، فمعنى قوله صلى الله عليه وآله : « لا تدع قبراً مشرفاً اي : مسنماً إلا سويته اي سطحته وعدلته » وليس معناه : إلا هدمته وساويته بالأرض كي يعارض ما ورد من الحث على زيارة القبور واستحباب إتيانها ، والترغيب في تشييدها ، والتنويه بها ، وذلك المعنى اعني ان المراد من تسوية القبر تسطيحه وعدم تسنيمه كان هو الذي فهمته من الحديث أول ما سمعته بادئ بدء وعند أول وهلة ، ثمّ راجعت الكتاب اعني صحيح مسلم ونظرت الباب فوجدت صاحب الصحيح مسلم قد فهم فيه ما فهمناه من الحديث حيث عنون الباب قائلًا : ( باب تسوية القبور ) وأورد فيه اولًا بسنده إلى تمامه قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثمّ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يأمر بتسويتها « 15 » ثمّ أورد بعده في نفس هذا الباب حديث أبي الهياج المتقدم : « ولا قبراً مشرفاً الا سويته » . وكذلك فهم شارحوا صحيح مسلم وامامهم النووي الشهير ، وها هو بين أيدينا يقول في شرح تلك الجملة النبوية ما نصه : فيه : ان السنة ان القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً ولا يسنم ، بل يرفع نحو شبر ، وهذا مذهب الشافعي ومن

--> ( 14 ) معجم مقايس اللغة 3 / 112 ( سوى ( . ( 15 ) صحيح مسلم 2 / 666 باب 31 / 92 .