تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
90
نظرية المعرفة
ولنحلل المثال الأول ، أعني قولنا : المادة حادثة . إنّها قضية يقينية للإسلاميين ، يقضون بها عن طريق الحسّ والعقل معاً بقوله : - المادة متغيّرة . - وكل متغيّر حادث . إذن فالمادة حادثة . أمّا الحسّ ، فهو يستخدم في غالب القضايا لنيل مفرداتها ، سواء أكانت ممّا يناله الحسّ بلا واسطة ، أم مما يناله بعد تعمّل . وفي هذه القضية ، إن كون المادة موجودة في الخارج ، أمر ملموس للحسّ « 1 » ، حتى التغيّر والتبدل - إن أُريد منهما ما يدركه عامة الناس - يؤخذان من الخارج . نعم ، ما يدّعيه أصحاب القول بالحركة الجوهرية للعالم - جواهره وأعراضه - ممّا يدعمه البرهان وتثبته الأدلّة الفلسفية « 2 » ، لا الحسّ . وبعبارة أُخرى : إنّ للحركة والتبدل مرتبتين ، مرتبة يدركها الحسّ ويقف عليها عامة الناس ، وهي التغير الملحوظ ليلًا ونهاراً في الأرض وما عليها والسماء وما فيها . ومرتبة يدركها العقل بالبرهان الفلسفي ، وهو أن العالم بجوهره وحقيقته ، في تغيّر ذاتي ، وسيلان واقعي ، كالنبع المتدفق من مكان ليصبّ في مكان آخر . فالصغرى على المرتبة الأولى حسيّة ، وعلى الثانية عقلية مبرهنة . وأمّا العقل ، فيستخدم في القضاء بالكبرى ، ببيان أنّ التغيّر عبارة عن الوجود بعد العدم ، الحصول بعد ما لم يكن ، وهذا هو نفس الحدوث وعينه ، فيكون - إذن - كل متغيّر حادث . ثمّ يقوم العقل بعملية أُخرى وهي استنتاج حكم الأصغر ( المادة ) من الحكم على الأكبر ، لأنّ الأصغر من مصاديق الأكبر ، فلو كان الأكبر محكوماً بحكم عام ، فهو يشمل كل فرد من مصاديقه ، فالمادة من مصاديق المتغير ، فهي أيضاً حادثة .
--> ( 1 ) . ولو عن طريق إحساس عوارضها ، من اللون والريح والطعم والملمس . . . بناءً على ما هو الحق من أنّ الحس لا ينال الجوهر ( المادة ) مباشرة ، وإنّما ينالها بواسطة إحساس عوارضها . ( 2 ) . وسيوافيك ذلك في الفصل الرابع عند البحث عن أداة العقل من أدوات المعرفة .