تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
88
نظرية المعرفة
في النفس الإنسانية ، تظهر وتتفتح شيئاً فشيئاً مع مرور الزمان ، واحتكاك الإنسان بالوقائع الخارجية ، فإنّ مثل هذه ليست علوماً فعلية وإدراكات حاضرة حتّى تكون منفية بقوله تعالى : « لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً » . فسلسلة المعلومات والإدراكات الفطرية المودوعة في النفس ، حاصلة فيها بالقوة حين ولادة الإنسان ، ثمّ تخرج إلى الفعلية ، وتتكامل بتكامل وجوده ، وتتفتح تدريجياً باتّصاله بالخارج عبر أدوات المعرفة . « 1 » فكل ما تقدم يدلّ على أن الإسلاميين من الفلاسفة كانوا رجالًا واقعيين موضوعيين ، يتبنون منهج الجزم ويستخدمون أدوات المعرفة كلٌّ منها في مجاله ، مقتفين في ذلك بعد كتابهم السماوي المرشد ، أثر المعلم الأول . ومن أبدع أساليبهم في تحليل المعرفة ، تقسيمهم التصورات والتصديقات إلى بديهيات ونظريات . فهناك تصورات بديهية لا يحتاج العقل في دركها إلى أَزيد من تصور موضوعاتها ، كمفاهيم الوجود والعدم والوحدة والكثرة والضرورة والإمكان والامتناع ، وسائر ما يسمونه في الفلسفة بالأُمور العامة . وهناك تصورات نظرية تنالها النفس بعد إعمال القوة الفكرية ، كالمفاهيم الكلية من الإنسان والفرس والشجر ونحوها . فإنّ النفس تنالها بعد إدراك أَفراد كثيرة لذلك المفهوم الكليّ عن طريق الحسّ ، ثمّ يقوم العقل بعد ورود صورها إلى الذهن بتجريدها من المشخِّصات أولًا ، ثمّ بالأخذ بالقدر المشترك الّذي يعمّ جميع الأفراد . « 2 » وكلا قسمي التصورات يشتركان في أنّ العقل لا ينالهما من دون إعمال الحسّ والاتّصال بالخارج . فلو كان الإنسان فاقداً لعامّة حواسه لما قدر على تصور شيء من التصورات البديهية حتّى الوجود والعدم . كما أنّه لو كان فاقد الصلة بالخارج لما قدر على تجريد الجزئيات والأخذ بالقدر المشترك . وهذا اعتراف من الفلاسفة المسلمين باعتبار الحسّ والعقل في مجال المعرفة الإنسانية . وكما أنّ التصورات تنقسم إلى بديهية ونظرية ، فالتصديقات أيضاً مثلها . فالتصديق بامتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما ،
--> ( 1 ) . لاحظ مفاهيم القرآن : 1 / 73 - 74 . ( 2 ) . نعم ، ليست التصورات على وزان واحد ، وإن كانت كلها تشترك في أنّ النفس تنالها من الخارج بعد اتّصالها به بالحسّ . بل تفترق إلى قسمين ، فإنّ لبعضها مصاديق في الخارج ، ولبعضها الآخر مناشئ انتزاع . فمن القسم الأول ، الإنسان والفرس والشجر ونحوها ، فإنّ النفس تنتزع من الجزئيات الخارجيّة ، بعد تجريدها من الخصوصيات ، مفهوماً مشتركاً يسمى مفهوماً كليّاً . وكلّما تصور هذا المفهوم الكلي ، انتقل إلى مصاديقه وجزئياته ، فيقول هذا إنسان وذاك حيوان وذلك شجر . ومن القسم الثاني المفاهيم العامة الّتي أُشير إليها في المتن ، فليس لها مصاديق في الخارج ، وإنّما لها مناشئ انتزاع وانتقال فمفهوم العدم - مثلًا - من المفاهيم العامة ، يصنعه الذهن بعد الاتّصال بالخارج ، ولكن ليس له مصداق فيه ، لأنّ الخارج يساوق الوجود والعينيّة ، والعدم بطلان محض ، وإنّما ينتقل الذهن إليه بعد عمليات خاصة . ومثله الضرورة والإمكان والامتناع ، فليس في الخارج شيء محسوس نسميه بأحدها ، وإنّما هي مفاهيم يصنعها الذهن بعد ملاحظة القضايا الخارجية ، كحتمية كون الأربعة زوجاً ، وحتمية عدم كونها فرداً ، فينتقل من تصور هذه القضايا إلى صنع مفهوم الضرورة والامتناع . فلأجل ذلك قلنا إنّ التصورات ليست على وزان واحد ، بل هي بين ما يكون له مصداق ، وما يكون له منشأ للانتزاع والانتقال من دون أن يكون له مصداق . وأمّا عدم كون الوجود والوحدة الّتي تساوقه ممّا له مصاديق في الخارج ، فيحتاج إلى بيان آخر قرره الحكماء عند البحث عن أحكام الوجود الخارجي والذهني .