تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

70

نظرية المعرفة

عرفت أنّ أصول اليقينيات ستة ، هي : الأوليات ، والمشاهدات ، والتجربيات ، والحدسيات ، والمتواترات ، والفطريات . كما عرفت أنّ كلَّ العلوم الكسبية لا بُدّ أن تنتهي إليها ، وتعتمد عليها ، وإلّا لزم الدور والتسلسل . وعلى سبيل المثال : لا تجد أحداً من البشر ينكر امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، وامتناع اجتماع المتضادين في محلّ واحد . حتّى أنّ السوفسطائي نفسه ، الشاكّ في كل شيء ، لا يشك في امتناع اجتماع النقيضين ، بشهادة أنّه يصرّ على ما يتبنّاه من أنّ « الصور العلمية لا تكشف عن الواقع قطعاً » ، وهو في الوقت نفسه لا يقول بصحة نقيض هذه القضية ، وهو أنّ الصور العلمية تكشف عن الواقع الموضوعي كشفاً تامّاً . وهذا دالّ على اعترافه من حيث لا يشعر بإمكان درك واقع من الواقعيات هو ما يتبنّاه « 1 » . هذا نموذج من باب الحكمة النظرية . وهكذا في مجال الحكمة العملية ، فإنّ فيها مسائل أُصولية ضرورية أصفق على صحتها عامّة العقلاء ، فلا تجد ذا لُبّ يقبّح الإحسان ويحسّن الظلم ، كما أنّه ليس هناك من ينكر قبح خيانة الأمانة ومجازاة المحسن بالإساءة ، إلى غير ذلك من الأُصول الثابتة في العقل العملي « 2 » . وإثبات هذا المقدار من العلوم اليقينية الّتي لا يختلف فيها اثنان كاف في

--> ( 1 ) . قد يقال : إنّ الماركسيين يصححون اجتماع الضدين ، بل اجتماع النقيضين ، فكيف تكون هذه القضية مورد اتّفاق . ولكن الجواب يظهر ممّا حُقِّق في الفلسفة الإلهية من أنّ لامتناع اجتماع النقيضين والضدين شروطاً ، لو روعيت يكون الحكم بالامتناع بديهياً . والماركسية تارة تلغي الشروط اللازمة للحكم بالامتناع ، فتصحح اجتماعهما ، ولا مانع منه . وأُخرى تضع التضاد الفلسفي مكان التضاد المنطقي ، والمحال هو الثاني لا الأوّل ، فإن التضاد الفلسفي هو اجتماع عناصر طبيعية وتفاعلها فيما بينها لتنتج نوعاً طبيعياً جديداً ، وهذا النوع من التضاد هو عماد بقاء الطبيعة ، ولم يقل أحد بامتناع اجتماع أطرافه ، والممتنع هو التضاد المنطقي الّذي يبحث عنه في باب التقابل . قال الحكيم السبزواري : وإنّ من غيريّةٍ تقابلُ * عرّفه أصحابنا الأفاضلُ يمنعِ جمعٍ في محلٍ قد ثبَت * من جهةٍ في زمنٍ توحَّدت ( 2 ) . سنثبت في مباحث الحكمة الإلهية أنّ الصحيح في الحسن والقبح الذاتي لبعض الأفعال ، هو أنّ العقل بنفسه ، يدرك بملاحظة الفعل بما هو هو ، حُسْنَهُ أو قُبْحَهُ . وليس صحيحاً أن حسنها وقبحها من المشهورات ، كما هو المشهور .