تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

60

نظرية المعرفة

بواعث الإنكار فلا بد - في ضوء ذلك - من البحث عن الحافز أو الحوافز الّتي جرّتهم إلى تبني هذه الفكرة الساقطة . ولعلّ الّذي دعاهم إلى تبنيها أحد الأمرين التاليين أو كلاهما . الأوّل - ظهور الآراء المتشتتة في الأبحاث الفلسفية فيما يتعلق ببدء العالم ونهايته ، وموجده ، وغرضه وغير ذلك ممّا تضاربت فيه الآراء . ورأوا أنّ كل طائفة تخطّئ الأُخرى وتردّ براهينها ، والتشاجر والتنازع فيما بينها قائم على قدم وساق ، فلا ينقطع البحث ولا يصل إلى غاية . فهذا البسط والعمق من جانب ، وبساطة أفكار القوم في تمييز الصحيح من الآراء عن الزائف منها ، من جانب آخر ، جعلهم حيارى ، وعقولهم صرعى ، فلجئوا إلى مسلك آخر ، وهو مسلك السفسطة بأقسامها . الثاني - ظهور فنّ الخطابة في تلك الأدوار ، وهذا الفن يبتني على ذوقيات وتحليلات يستحسنها البسطاء ، حيث يجدونها ملائمة لبعض قواهم . وكان للخطابة تأثيرٌ واسعٌ في تلك الحقبة ، فاستخدمها رجال السياسة لبيان أهدافهم السياسية في إجراء الإصلاحات ، أو إشعال الثورات ، أو إخمادها . بل كان المحامون في المحاكم القضائية يستخدمونها في الدفاع عن موكليهم . فلأجل ذلك دوّنوا لها أصولًا وقواعد ، وصارت فنّاً مستقلًا . فلما كان القوم يرون أن رجال السياسة قد يتبنون موقفاً اليوم ، وآخر غداً ، ورأوا أنّ كل محام يتبنى شتى ما ينتفع به موكله ويبطل ما يدّعيه خصمه ، بل ربما لجأ محامٍ واحد إلى الدفاع عن المتخاصمين جميعاً ، كل ذلك صار سبباً لتشكيك القوم في ثبوت واقعية وراء التفكير الإنساني ، إذ رأوا أنّ الحقائق مَلْعَبَةُ الأفكار والآراء . وظل القوم تائهين في ضلالتهم ، يسوقون العامة إلى حضيض الجهل والظلمة ، إلى أن نهض الفطاحل من الأغارقة الأقدمين كسقراط وأفلاطون وأرسطو ، فكافحوهم ، وبددوا شملهم ، وحلّوا عقدهم وشبهاتهم ، وأوضحوا