تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
6
نظرية المعرفة
والعقل ، وما يتركب منهما . وبها يكتسب ما لا يعلمه إطلاقاً ، أو يُخرج إلى الفعلية ما يعلمه بالقوة من الإدراكات الفطرية الأولية . وانكار واحدةٍ من تلك الأدوات ، نتيجته شلُّ الفكر الإنساني عن إدراك ما يحيط به من كونٍ ووجود ، غائب ومشهود . كما أنَّ إثباتها مع إنكار كاشفيتها أو القول بنسبيتها أو الشك فيها ، نتيجته تخطئة المعارف والعلوم البشرية ، وسلب الإنسان ذلك الكمال . وفي هاتين المرتبتين زلّت أقدام الكثيرين ، فأنكرت جماعة أداة العقل كلية ، وحصرها آخرون في بعض المدركات الفطرية . وأنكر قوم كاشفية أدوات المعرفة ، وقال بعض بنسبيتها ، وشك آخرون في مطابقة معطياتها للواقع . وقد كانت هذه وخزات ، لا بل طعنات في صميم قلب المعرفة البشرية ، فأسدل الكثيرون الستار على الغيب ، وحجزوا مواهب الإنسان بين جدران ضيّقة ، فابتعدوا عن الحق جلّ شأنه ، وسقطوا بالتالي في الهاوية ، « نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ » « 1 » . فما أحوج كلّ عالِمٍ إلى التحقيق في قيمة المعرفة وأدواتها ، ليدرك حدودها ، ويَعِيَ أُطُرَها ، فلا يحجز نفسه عن علم وكمال ، ولا يسوقها إلى مهلكة وضياع . وبين هذه وتلك ، مسائل على جانب كبير من الأهمية ، تَصُبّ بأجمعها ضمن المحيط المرسوم أعلاه . ولئلا نُجْمِل ونبهم ، نُلمع إلى بعضٍ منها : فبعد أن نذعن بأنّا ندرك حقائق وقضايا ما ، كيف يمكننا أن نحكم بصدقها وخطئها ؟ وبعبارة ثانية : ما هو الملاك الذي يكون به الشيء حقاً أو باطلًا ؟ . وبعد أن نعرف ذلك الملاك ، كيف نعرف بأنّ هذه القضية العلمية أو الفلسفية المطروحة أمامنا ، متصفة به ؟ وما هي الوسيلة التي بها نستكشف وجود ملاك الحقيقة أو الوهم في قضية من القضايا ؟ . وفي البابين آراء وأنظار ، وللغربيّين زلّات وشطحات : ففي الباب الأول : جعل بعضهم الحقيقة والبطلان دائرين مدار قبول المجتمع له ورفضه ، ويلاحظ ذلك لدى الفيلسوف الفرنسي « أوغست كونت » « 2 »
--> ( 1 ) . سورة الحشر : الآية 59 . ( 2 ) . etmoC etsuguA ، ( 1798 - 1857 م ) .