تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

338

نظرية المعرفة

صلة أو ارتباط بين الحكمتين ويقول بأنّه لا رابطة بين القضايا الّتي تحكي عن وجود الأشياء وعدمها ، والقضايا الّتي تَفْرُض على الإنسان فِعْلَ شيء أو تركه . وبتبيين هذه النظرية الوسط ، يُعلم بطلان النظرية الثالثة ، ولا حاجة بعده إلى مناقشتها . ولتوضيحها نقدّم مقدمة : تشترك قضايا الحكمة النظرية والحكمة العملية في انقسامها إلى ضرورية وكسبية . والبرهان الدالّ على لزوم انتهاء القضايا الكسبية إلى الضرورية - وهو دفع محذور الدور والتسلسل « 1 » - مشترك بين الحكمتين . فكما أنّ امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما من القضايا البديهية ، بل أبدهها وأوضحها في الحكمة النظرية ، فكذلك هناك قضايا بديهية في الحكمة العملية ، وِزانها في الوضوح والبداهة ، وِزانَ أُمِّ القضايا في الحكمة النظرية ، وتلك مثلُ : حُسْنِ العدل ، وقُبْحِ الظُّلم ، فإنّ بداهتهما في مجال العمل ، ليست بأقلّ من بداهة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما في مجال الفكر . وكما أنّ في الحكمة النظرية قضايا غيرَ واضحةٍ من النظرة الأُولى بل تحتاج في تصديقها والإذعان بها إلى إرجاعها إلى قضايا بديهية واضحة ، بالبرهنة والاستدلال ، فكذلك الأمر في الحكمة العملية ، فإنّ فيها قضايا أخلاقية وحقوقية غير واضحة ، بل تحتاج إلى الاستدلال والبيان ، فلاحظ القضيتين التاليتين : - يجب أن نعمل لنعيش . - أَحْسِن لمن أساء إليك . تجد الأُولى واضحة ، لا تحتاج إلى عناء لتصديقها ، بينما الثانية تحتاج إلى الاستدلال والبرهان حتّى يُذْعَنَ بصدقها ، ولذلك قال سبحانه : « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » « 2 » .

--> ( 1 ) . بيان ذلك : لو كانت جميع القضايا مكتسبات ، غير منتهية إلى قضايا بديهية بالذات ، فإمّا أن لا ينقطع ذلك التوقف ، فيلزم التسلسل . أو ينقطع ولكن يتوقف آخر القضايا على أولها ، فيلزم الدور . فلم يبق إلّا الانقطاع عند قضايا بديهية بالذات . ( 2 ) . فصلت : 34 .