تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
336
نظرية المعرفة
وقد أشار إلى ذلك الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله : « لو أَنَّ الباطلَ خلص من مزاج الحق ، لم يَخْفَ على المرتادين . ولو أَنَّ الحق خلص من الباطل ، انقطعت عنه ألسنة المعاندين ، ولكن يُؤخذ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضِغْثُ ، فيمزجان » « 1 » . 3 . لو صحّت هذه النظرية ، لجاز لنا أن نطبق على حياة الإنسان كل ما نستشكفه من السنن الجارية في الطبيعة ، وهذا يؤدّي إلى نتائج وخيمة لا يمكن أن يرضى بها عاقل . مثلًا : لو وجب أن تكون الإيديولوجية انعكاساً لما يجري في الطبيعة ، لكان اللازم اتّخاذ ناموس تنازع البقاء وناموس الانتخاب الطبيعي - الذين هما من الأركان الأربعة لنظرية النشوء والارتقاء في مذهب داروين « 2 » ( 1809 - 1882 م ) - أُسوة في الحياة . ونتيجةُ اعتماد إيديولوجيةٍ محاكيةٍ لهذين الناموسين ، هي لزوم إبقاء فتيل الفتن والحروب بين الضعفاء والأقوياء ، مشتعلًا ، بشكل دائم ومستمر ، حتّى يتغلّب الأقوياء على الضعفاء . ولا لَوْم على أي مجرم يُشعل حرباً ضروساً ، ويُهلكُ الحَرْث والنسل ، ويعذِّبُ البشريةَ ، ويدمر الحضارة لأنّ ذلك واجب : سنة عمليةً محاكيةً للسنة النظرية ! ! . هذا ما لا يقبله عاقل ، ولا يرضاه ضميرٌ حيٌّ .
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الخطبة ( 50 ) . ( 2 ) . niwraD . انكليزي . والأُصول الأربعة الّتي بنى عليها نظريته في نشوء الكون وارتقائه هي : 1 . ناموس تنازع البقاء ، ويعني أنّ هناك كفاحاً مستمراً بين أفراد الأحياء ( أي الحيوانات ) لأجل البقاء . 2 . ناموس الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح ، ويعني أنّ من امتلك صفات تؤهله للغلبة والبقاء ، كُتب له البقاء ، ومن لم يمتلك ما يؤهله لذلك انقرض وفنى . وبهذا يؤدّي الانتخاب الطبيعي ، الّذي يحركه الصراع للبقاء ، إلى بقاء الأصلح . 3 . ناموس الوراثة ، وهو انتقال الصفات بالوراثة إلى الأخلاف . 4 . ناموس الملاءمة للبيئة ، ويعني أنّ التغيّرات الحاصلة في الكائن الحي ، تفرضها عليه البيئة .