تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

323

نظرية المعرفة

أبعد الحدود ، يستحيل عليه أن يبقى محافظاً على أفكاره واعتقاداته الدينية وقيمه الروحية . إنّه كلّما ازداد توغلًا في المفاسد ، ازداد بعداً عن الاعتقاد بالعوالم الغيبية ، لأنّ ذلك الاعتقاد يمنعه عمّا يطلبه من الفساد والتمادي في العصيان « 1 » ، وهكذا يتحرّر عن تلك المعتقدات شيئاً فشيئاً ، حتّى يَنسَلِخَ منها ، وينبذها وراءه ظِهْريّاً . وإلى هذه الظاهرة تشير الآية الكريمة بقولها : « ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ » « 2 » ، فجرّهم اقتراف المساوئ ، وركوب المفاسد ، إلى تكذيب آيات اللَّه وشرائعه وأنبيائه . وكما تؤثّر المادية الأخلاقية في ذوبان عقيدة المرء شيئاً فشيئاً ، وانحلاله من الاعتقاد بالرسالات السماوية ، ليصبح في المآل ماديّاً في تفكيره ، كذلك تكون صادّة عن حصول الاعتقاد من بَدْء الأمر ، وتكون مانعة عن نفوذ نور البرهان والدليل إلى القلب ، لما يدركه ذاك الإنسان - في صميم ذاته - من أنّ الخضوع لمفاهيم البراهين والأدلة ، لا ينسجم مع ما يطلبه من الانغماس في الشهوات ، وما هو واقع فيه من الفساد والانحراف . ولعلّه إلى هذا يشير قوله سبحانه : « بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ » « 3 » . وبذلك تصبح المادية الأخلاقية رافعة للعقيدة تارة ، وصادّة عنها أُخرى ، فالأول في المعتنقين للأُصول الغيبية إذا جنحوا إلى المعاصي ، والثاني في الناشئين في أحضان المجتمعات الغارقة في الفساد إذا فوجئوا بمعلّمٍ مُصلحٍ يريد أن يهديهم ويقنعهم ، بالبرهان والدليل ، فيرفضون البراهين ومنطق العقل ، ويُوصدون بذلك باب المعرفة أمامهم . * * *

--> ( 1 ) . وتلقي المعاصي حُجُباً على قلوبهم تعميها عن معرفة الحق ، يقول تعالى : « كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » المطففين : 14 . ( 2 ) . الروم : 10 . ( 3 ) . القيامة : 4 و 5 . والمراد من فجوره أمامَه ، فجوره فيما يستقبل من أيام عمره .