تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
321
نظرية المعرفة
والمكانة العلمية المرموقة ، تأثيراً في انبهار العيون وانجذاب النفوس إليها ، قهراً بلا اختيار . ومن الناس من يجعل المنزلة مقياساً للحق والباطل ، فإذا سمع كلاماً من شخصية بارزة يتلقّاه حقّاً بحجة أنّ قائله ذو مكانة اجتماعية أو مرتبة عالية . كما أنّه إذا تلقى كلاماً أو رأياً من فاقد تلك المنزلة ، لا يعطيه بالًا أو يجعله في خانة الشك والترديد ، وهذا من موانع نيل الواقع ومعرفة الحق والباطل . فالواجب على كل متحرٍّ للحقيقة اجتناب هذه العادة الجارية بين السذج من الناس ، فإنّ الشخصيات الاجتماعية والعلمية ، مهما بلغت في درجات السلطة والوقار أو العلم والكمال ، ليست بمعصومة ، وإنّما العصمة تختص بالأنبياء وأوصيائهم « 1 » ، وأمّا غيرهم فيجوز عليهم الخطأ والاشتباه . فعليه أن ينظر إليهم بعين الاحترام والتوقير ، لا متابعتهم في المسائل العقلية والعلمية بلا دليل وبرهان ، فإنّ التبعية في هذه المجالات ، تُعْقِم العقول عن الإبداع ، وتُحَجِّر الطاقات الباطنية عن التفتح والازدهار . وإنّما ينظر إلى نفس الكلام ، بغض النظر عمّن صدر منه . وفي التعاليم الإسلامية إيعاز إلى ذلك ، نذكر منه : - ما روي عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال : « أُنظر إلى ما قال ، ولا تنظر إلى من قال » . وما روي عنه عليه السلام عندما سئل عن محاربته طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ، وهم أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أيمكن أن يجتمعوا على باطل ؟ فقال : « إنّك لملبوس عليك ، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال ، اعرف الحق تعرف أهله ، واعرف الباطل تعرف أهله » « 2 » . وقد كان لانبهار عيون الشرقيين بإنجازات الغرب الصناعية ، تأثيرٌ كبيرٌ
--> ( 1 ) . لأدلة تأتي في بحث النبوة العامة . ( 2 ) . « علي وبنوه » ، للدكتور طه حسين ، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته ، المجلد الرابع : 468 ، ط دار الكتاب اللبناني ، 1939 م بيروت . ويعلّق طه حسين على هذا الحديث بعد نقله بقوله : « وما أعرف جواباً أروع من هذا الكتاب . . . » .