تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
304
نظرية المعرفة
وإلى هذا الإشكال يشير صدر المتألهين بقوله : « إنَّ العلم ، بما أنّه من صفات النفس ، يجب أن يكون من مقولة الكيف ، ومن حيث إنّ حقيقة المعلوم وجدت في الذهن ، وجب أن يكون من مقولة المعلوم ، فيلزم أن تكون حقيقة واحدة من مقولتين » « 1 » . ويقول أيضاً في الفصل الّذي عقده لحلّ إشكالات الوجود الذهني : « إنّ الحقائق الجوهرية ، بناءً على أنّ الجوهر ذاتي لها - وقد تقرر عندهم انخفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات ، كما تسوق إليه أدلّة الوجود الذهني - يجب أن تكون جوهراً أينما وجدت ، وغير حالّة في موضوع ، فكيف يجوز أن تكون الحقائق الجوهرية موجودة في الذهن ، أعراضاً قائمة به ؟ ثمّ إنّكم قد جعلتم جميع الصور الذهنية كيفيات ، فيلزم اندراج حقائق جميع المقولات المتباينة بالنظر إلى ذواتها ، مع الكيف ، في الكيف » « 2 » . وإليه يشير الحكيم السبزواري بقوله : والذاتُ في أنحاء الوُجوداتِ حُفِظ * جَمْعُ المُقابِلَيْنِ فيه لُحظْ فَجَوْهَرٌ مع عَرَضٍ كَيْفَ اجتَمَعْ * أمْ كَيْفَ تَحْتَ الكَيْفِ كلّ قَدْ وَقَعْ وقد مال القوم يميناً ويساراً في حلّ الإشكال ، ونكتفي نحن في المقام بذكر أقرب الأجوبة إلى الصواب . « 3 » الجواب الأول : للمحقق الدواني ( م 908 ه ) قال إنّ إطلاق الكيف على الصور العلمية للجوهر وسائر المقولات ، إطلاق على المسامحة ، تشبيهاً للأُمور الذهنية بالحقائق الكيفية الخارجية ، وإنّما العلم كيف في مورد واحد ، وهو ما إذا تعلّق بالكيف . وأمّا إذا تعلّق بسائر المقولات ، فبما أنّ العلم متّحد بالذات مع المعلوم ، يكون من مقولة المعلوم فحسب ، فإن كان جوهراً فجوهر ، وإن كان كمّاً فكمٌّ ، وإن كان كيفاً فمن مقولة الكيف . وعلى هذا ، فلا يلزم اندراج شيء واحد تحت مقولتين .
--> ( 1 ) . الأسفار الأربعة : 1 / 325 . ( 2 ) . الأسفار الأربعة : ج 1 المنهج الثالث في الإشارة إلى نشأة أخرى للوجود غير هذا المشهود ، الفصل الثالث : 277 . ( 3 ) . وأمّا الأجوبة الّتي لم يتعرض لها الأُستاذ - دام ظله - فإليك بيان رءوسها : 1 . إنكار الوجود الذهني من أساس . 2 . التفريق بين القيام بالذهن والحصول فيه ، ذهب إليه المحقق القوشجي ( لاحظ الأسفار : 1 / 282 ) . 3 . القول بالأشباح ، أي أنّ الموجود في الذهن شبح الخارج ، لا نفسه ( لاحظ الأسفار : 1 / 314 - 315 ) . 4 . القول بالانقلاب وأنّ الجوهر الخارجي إذا وجد في الذهن ينقلب كيفاً ( لاحظ الأسفار : 1 / 316 - 318 ) ولاحظ شرح المنظومة لناظمها : 25 - 28 ، تجد تفصيل ذلك كلّه .