تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

294

نظرية المعرفة

ولا يضرّ كونُ هذا الثبات والاستقرار خيالياً ، لما تقدم مراراً من أنّ الخيال إنّما هو خيال بالنسبة إلى الخارج ، وأمّا بالنسبة إلى الوجود بما هو هو ، فهو من مراتب الواقع والحقيقة . الدليل الثامن - حضور الذات لدى الذات قد عرفت فيما مضى انقسام العلم إلى حصولي وحضوري ، وأكثر « 1 » ما مرّ من البراهين أثبت تجرّد العلوم الحصولية الّتي عبّرنا عنها بالصور العلمية أو المفاهيم الذهنية . وهناك دليل على تجرّد العلوم الحضورية أيضاً ، وهو علم ذاتنا بذاتنا . فقد دلّت التجارب على وجود هذا الإدراك في عامة المخلوقات الحيّة ، وفي طليعتها الإنسان . وهذه الحالة العلمية ، أعني حضور ذواتنا لدى أنفسنا ، لا تختص بعضو معين أو جانب خاص ، بل تعمّ الإنسان كلّه ، لأنّ أحدنا ربما يغفل عن جميع أعضائه ، ومع ذلك يجد ذاته حاضرة لدى ذاته لا تغيب عنه أبداً . وإذا رجع الإنسان إلى ما مضى من أيام حياته ، يجد أنّ هاهنا ذاتاً ثابتة ، لم يغيّرها مرور السنين وتطاول الأعوام ، وتبدّل الظروف والأحوال . فإذن ، نحن ندرك ونعلم علماً حضورياً بأمر واحد بسيط لا يقبل انقساماً ولا كثرة ، ثابتٍ مستقرٍ لا يطرأ عليه تبدّل ولا تغيّر ، حاضِرٍ أبداً لا يغيب ، حضوراً بوجوده الخارجي عند المدرك من دون انتزاع صورة علمية منه . وهذه الأُمور جميعها آية كون المعلوم هذا مجرّداً بريئاً عن المادة وآثارها . « 2 »

--> ( 1 ) . إشارة إلى البرهان الرابع ، فإنّه - كهذا البرهان - ناظر إلى تجرّد العلوم الحضورية ، فإنّ الوجدانيات كالحب والبغض معلومات للإنسان بالعلم الحضوري . ( 2 ) . إنّ هذه البراهين الّتي أقمناها على تجرّد الإدراك مستفادة من دراسات الفيلسوف الأكبر الأُستاذ العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، ذكرها في « أُصول الفلسفة » المترجم إلى العربية بقلم الشيخ الأُستاذ - دام ظله - فلاحظ : 137 - 172 .