تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
286
نظرية المعرفة
مادية . ولو قال المادي إنّ ذلك من صنع الخيال ، لما أضرّ الدليل بشيء ، لأنّه اعترف بوجود الأُمور المتصلة في ظرف الخيال . والصور الخيالية إنّما هي خيالية إذا قيست إلى الخارج ، وأمّا إذا لوحظت بأنفسها ، وغُضَّ البصر عن القياس ، فهي من مراتب الوجود ومدارج الحقيقة . الدليل الثالث - الروابط التصديقية لا تقبل الانقسام إنّ الانقسام والتجزئة من خواص المادة ، ولو وجدنا شيئاً لا يقبل الانقسام لا حسّاً ولا عقلًا ، فذاك دليل على أنّه ليس من سنخها ، وإلّا لما فارقه الانقسام والتجزئة . ومن تلك الأُمور الروابط التصديقية ، فهي غير قابلة للانقسام . وبإمكانك أن تستوضح الحال من المثال التالي : تقول : هذا الجسم أبيض . فالموضوع - وهو الجسم - كمحموله ، ذو أبعاض وأجزاء ، إلّا أنّ الحكم بأنّ هذا ذاك ( الّذي يعبّر عنه في مصطلح المنطقيين ب « الهوهويّة » ) الّذي هو روح التصديق ، لا يقبل الانقسام أصلًا . ومهما حاول الإنسان أن يضغط على عقله ليقسّم هذا التصديق والحكم ، ويجعل له جزءاً ، فإنّه سيظل عاجزاً عنه ، غير قادر عليه . وهذا دليل على أنّ حقيقة التصديق القائمة بالنفس ، ليست ماديّة ، وإلّا لما تخلّصت من آثار المادة وخواصها . الدليل الرابع - الوجدانيات لا تنقسم يجد كلّ إنسان في أعماق ذهنه حبّاً وبغضاً وإرادة وكراهة وحسداً وبخلًا ، وغير ذلك من الإدراكات الروحية ، يعلم بها علماً حضورياً . وجميع تلك الأُمور بسيطة لا تقبل الانقسام والتحليل والتجزئة ، الّتي هي من أظهر خواصّ المادة . لاحظ حبَّك لرفيقك ، وبُغْضَك لعدوِّك ، فهل تجد فيهما ، في قراءة ذهنك ، تَرَكُّباً وانقساماً ، وأنّ كلًّا منهما ينقسم إلى أجزاء . كلا ، فذاك آية تميّزهما عن المادة ، وإن شئت قلت : تجرّدهما .