تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
283
نظرية المعرفة
فلا محيص عن القول بأنّ ما في مقدّم الدماغ ، مظاهر معدّة لمشاهدة النفس تلك الصور والأشباح في عالم المثال الأعظم ، كما هو رأي شيخ الإشراق تبعاً للأقدمين من حكماء الفرس والرواقيين ، أو أسباباً وآلات للنفس بها تفعل تلك الأفعال والآثار في عالم مثالها الأصغر ، كما ذهبنا إليه . « 1 » إجابة الماديين عن الاستدلال اعترضوا على هذا الاستدلال ، بما أثبتته الأبحاث العلمية الحديثة . وإليك حاصلها : لقد أثبتت العلوم التشريحيّة أنّ النظام السائد على الجهاز البصري ، هو نفس النظام السائد على آلة التصوير . فإنّ الأشعة المنعكسة من المرئي إلى العين تقع على عدستها ، فتنكسر ، وتمرّ بعدة طبقات حتّى تصطدم بالشبكية في مؤخر العين ، فتنطبع صورة المرئي - مصغّرة - على الشبكية ، ولكن بما للمرئي من نسب بين أجزائه الخارجية ، ثمّ تنتقل الصورة - بتلك النسب - عبر الأعصاب إلى الدماغ ، الّذي يقوم بتفسير تلك النسب ومقايستها ، ثمّ يحكم بصغرها أو كبرها . فالصغر والكبر - إذن - إنّما هما من الأحكام العقلية الّتي يقف عليها العقل بالمقايسة . وأمّا ما هو مبدأ القياس في ذلك ، فلعلّه بدنُ الإنسان المُدْرِك نفسُه ، الّذي يمكنه الوقوف عليه عن طريق المسح باليد وغيره . وعلى هذا الأساس ، فما نجده من العظمة والاتّساع في الموجودات ليس منعكساً في جهاز الإبصار ، ومحلّ الإدراك ، حتّى يقال إنّه يمتنع انطباع الكبير في الصغير ، بل حديث الكبر والصغر وليد الوهم والتفكير ، بمقايسة أجزاء الصورة الذهنية بأجزاء بدنه الّذي وقف على حجمه بالملامسة المباشرة .
--> ( 1 ) . الأسفار : 1 / 299 بتصرّف . وهو هنا يشير إلى المذهبين في الصور الذهنية فهناك قول بأنّ لهذه الصور وجود مستقل في عالم المثال تشاهدها النفس وهو رأي الإشراقيين . وهناك قول آخر وهو أنّ هذه الصور مخلوقة للنفس .