تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

273

نظرية المعرفة

ونحن نضع أمام هؤلاء - برسم التأمل - الجهود الجبارة الّتي يبذلها الفلكيون لاستطلاع الكون الهائل ، وكشف أغواره وما يسبح فيها من مجرّات عظيمة ، ونجوم قاصية ، تبعد عن الأرض مسافات هائلة تقدر بملايين بل مليارات السنين الضوئية « 1 » . ولا يزال المحققون يضحون بأعمارهم في سبيل هذه الاكتشافات ؟ أترون أيّها البرجماتيون ، هل جهود هؤلاء هباء ، وعلومهم لاغية ؟ ! وثالثاً - إنّ من الوهم رمي الإيمان بالعوالم الغيبية باللغوية ، وسلب كل نفع وفائدة عنها . كيف ، والدين مبدع للعلوم ، ودعامة للقيم الأخلاقية ، والعدالة الاجتماعية ، وحصن الإنسان يحصّنه في خضم متقلبات العالم ، وغير ذلك من الآثار العملية العظيمة الّتي سنأتي على شرحها عند البحث عن دور الدين في الحياة . هل العمل يصنع الإنسان ؟ لقد غالت البرجماتية ومَنْ قَبِلَها من الماديين الديالكتيكيين والوجوديين « 2 » ، فذهبوا إلى أنّ العمل هو الّذي يبني للإنسان ملكاته وأفكاره وروحياته . فإنّ الإنسان يولد وذهنه وروحه خاليان من كل فكرة وملكة ، وإنّما يكتسب الصور والملكات في ظل العمل ، وبها يندفع مجدداً إلى العمل عن وعي أو عن لا وعي . يلاحظ عليه : لا شك أنّ للعمل تأثيراً كبيراً في صنع الروحيات والملكات الفاضلة والطالحة . فإنّك - مثلًا - ترى الإنسان عند أول نطقه ، لا ينطق إلّا بصدق ، حتّى يلجئه عامل ما على الكذب ، فإذا كرّر ذاك العمل الرديء ، انقلب الكذب في نفسه ملكة راسخة تتحكم بلجام بيانه ، حتّى لا يقدر على الصدق إلّا بمشقة . وكذلك الأمر في جانب الملكات الفاضلة . وبالجملة : العمل وتكراره خلّاق للملكات .

--> ( 1 ) . السنة الضوئية هي المسافة الّتي يقطعها النور في مدة سنة واحدة وهي تساوي على التقريب / 5 ، 9 تريليون كلم ، أي تسعة آلاف وخمسمائة مليار كيلومتر . ( 2 ) . MSILAITNETSIXE .