تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

27

نظرية المعرفة

عروض في الخارج ، وإن كان الاتّصاف - أي اتّصاف زيد بالأُبوة - فيه ، فيقال : هذا أب لذاك . وهذا هو المعقول الثانوي باصطلاح الفلسفة . « 1 » وبذلك يظهر أنّ هاهنا مفاهيم كثيرة من هذا القبيل ليس لها شيء يحاذيها في الخارج ، ومع ذلك تتصف الأشياء بها ، وتلك كالشيئية والإمكان . فالشيئية العامة لا يحاذيها شيء ، إذ لا يمكن أن يقال : هذه هي الشيئية . ومع ذلك ، فالأشياء تتصف بها ، فيقال : هذا شيء . ومثلها الإمكان : فإنّ حقيقة الإمكان هي سلب ضرورة الوجود والعدم عن الماهية . والسلب أمر عدمي ، لا يحاذيه شيء في الخارج ، فلا يصحّ أن يقال : إنّ هذا الإمكان يعرض الماهية . ومع ذلك تتصف الماهية الموجودة ، به . فيقال : الإنسان الموجود ممكن . إذا علم هذا التقسيم ، يتضح أنّ التعريف المزبور للعلم ، كما لا يعم المعقولات الثانوية في اصطلاح المنطقيين ، لا يعم المعقولات الثانوية في اصطلاح الفلاسفة ، فإنّ حصول الصورة من الخارج ، فرعُ أن يكون للعارض وجودٌ خارجيٌّ قابلٌ للدَرْك بإحدى الحواس الخمس ، والمفروض خلافه ، فإنّ الإنسان يقف على تلك المفاهيم بعمليات ذهنية خاصة ، لا بانعكاسها من الخارج . نعم ، لو لم يكن للإنسان صلة بالخارج ، لما أمكنه الوقوف على هذه المفاهيم ، وهناك فرق بين كون صورة الشيء حاصلة من الخارج مباشَرَةً ، وكَوْن الصلة بالخارج شرطاً أو معدّاً ، تعطي النفس ذلك الاستعداد الخاص لانتزاع تلك المفاهيم . فالنفس في هذه المرحلة أشبه بالشجرة المثمرة ، فإنّها تنتج الثمار من صميم ذاتها ، وإن كانت صلتها بالخارج - كالشمس والأرض والمياه - تعطيها الاستعداد لإنتاج تلك الثمار . * * *

--> ( 1 ) . أما تسميتها بالثانوية ، فلأنّها لا تعقل إلّا وقد عُقل قبلها شيء آخر هو المعروض ، أعني الذات المتّصفة بالأُبوة في هذا المثال ، أو بالشيئية والإمكان في المثالين الآيتين .