تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

266

نظرية المعرفة

وكانت النتيجة أن نحا بعض الغربيين منحى مأساوياً ، إذ اعتقدوا مساواة الوجود للمادة في مقام الإثبات ، فكل موصوف بالوجود معناه أنّه موجود مادي ، ولا شيء سوى ذلك . التحليل : إنّا لا ننكر على التجربة فضلها العظيم على الإنسانية ، ومدى خدمتها في ميادين العلم ، وإنّما نريد أنْ يَفْهَمَ هؤلاء التجربيون أنّ التجربة ليست هي المقياس المنحصر للأفكار والمعارف أولًا ، وأنّ التجربة بذاتها محتاجة إلى مقياس عقلي حتّى يتوسع حكمها على ما لم يجرّب ثانياً ، وإليك البيان : أ - إنّ لجهاز التجربة حقّ الإثبات لا حقّ النفي . فلو رأينا بالتجربة أثراً من الشيء ، نستكشف أنّه موجود . وأمّا إذا لم نر منه أثراً ، فليس لنا حقّ نفي وجوده ، وذلك لأنّ التجربة إنّما يصحّ لها أن تحكم بالنفي والإثبات في موضوع يناسبها ويقع في إطارها . وأمّا الأشياء الروحانية ، الخارجة عن إطار المادة - على الفرض - فليس لجهاز التجربة نفيها ، إذ لو كانت موجودة لما أمكنها الدخول تحت أجهزة التجربة المخبرية . فهذه الأجهزة المادية الضيقة ، إنّما يمكنها القضاء في الأمور المادية ، دون الخارج عنها ، فإنّها عاجزة عنها . ب - إنّ التجربة بنفسها ، لا تعطي اليقين والجزم ، فإنّها لا تزيد عن إجراء عملية على موضوعات خاصة ، فمن أين لها إسراء الحكم على جميع أفراد طبيعة واحدة ؟ ، ولا مناص في ذلك ، من ضم حكم عقلي إلى هذه العملية حتّى يستنتج المجرّب حكماً عاماً ، دائماً ، سائداً على ما سبق ، وظرفِ الحكم ، وما يأتي . ولذلك عندما وقف « جان استوارت ميل » على هذا الإشكال ، ذهب إلى أنّ التجربة والاستقراء مبنيان على أصل مسلّم عند جميع العلماء ، وهو أنّ الطبيعة - في كل زمان ومكان - متحدة الحقيقة والوظيفة والأثر . ولأجل ذلك إذا أجرينا التجربة في مكان وزمان خاصّين ، صحّ تطبيق الحكم المستنتج على ما لم نره من مصاديق الطبيعة . « 1 »

--> ( 1 ) . الفلسفة العلمية : 110 .