تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
227
نظرية المعرفة
خلطوا بينهما وضربوا أحدهما بسهم الآخر ، وإليك البيان : ما ذكره النسبيون إنّما يصحّ في الأُمور النسبية الإضافية ، وهي ما كان قوام حقيقتها بالنسبة والإضافة ، من دون أن يكون لها في حدّ ذاتها واقع محفوظ على كل حال ، كالسعة والضيق ، والكبر والصغر ، والفوقية والتحتية . . . مثلًا : افرض إنساناً يعيش في كوخ حقير لا تتجاوز مساحته عشرين متراً مربعاً وآخر غني يعيش في قصر عظيم تحيط به حدائق شاسعة مترامية الأطراف ، لا تقلّ مساحتها عن خمسين ألف متر مربع ، فإذا وردا مدرسة أمامها ملعب ، ولنفرض أنّ مساحتها بأكملها خمسمائة متر مربع ، فإنّا نرى الأوّل يستهولها ويصفها بالعظمة والكبر ، بينما الثاني يستصغرها ويصفها بالضيق والصغر . فلا شك هنا أنّ كلّاً من التوصيفين صحيح ، لكن بالنسبة إلى ما في نفس كلِّ واصف ، فالأوّل إذْ يصفها بالكبر والعظمة ، إنّما يصفها بذلك بالقياس إلى كوخه الحقير ، والثاني إذْ يصفها بالضيق والصغر ، فإنّما هو بالإضافة إلى قصره العظيم . وهكذا إذا قلنا : الأرض كبيرة ، وقلنا : الأرض صغيرة ، فإنّ كلا القضاءين صحيح ، لكن كلٌّ بالنسبة إلى أمر ، فالأرض كبيرة بالنسبة إلى القمر ، وصغيرة بالنسبة إلى الشمس . فليس للصغر والكبر واقع محفوظ حتّى نقيس القضاءين إلى ذلك الواقع ، ونصف أحدهما بأنّه حقّ ، والآخر بأنّه باطل . بل واقعيتهما هي بنفس الإضافة والنسبة القائمة بالنفس والذهن . فما ذكره النسبيون إنّما يصحّ في مثل هذه الأُمور الإضافية الّتي لا واقعية لها إلّا ملاحظة الإضافة بين المقيس والمقيس عليه . وأمّا الأُمور الّتي لها واقعية وراء النسبة والإضافة ، ولها حقيقة محددة يحكي عنها العلم ، ففيها يكون أحد القضاءين صحيحاً قطعاً ، وهو ما وافق الواقع وطابقه ، والآخر باطلًا قطعاً ، وهو ما خالفه . فقولنا : « درس أرسطو عند أفلاطون » ، وقولنا : « لم يدرس أرسطو عند أفلاطون » ، لا يمكن أن يكونا صحيحين وصائبين ، بل أحدهما حقّ قطعاً والآخر باطل قطعاً .