تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
214
نظرية المعرفة
وعن الثاني بقولك : ما هو ملاك معرفة الحقيقة وتمييزها عن خلافها ؟ وإن أردت قلت بعبارة ثالثة : البحث في الأوّل بحث كليٌّ ، لا يمت إلى قضية خاصة بصلة ، وإنّما العقل يقسّم الأفكار والقضايا إلى حقّة وباطلة ، فنسعى إلى معرفة الملاك الّذي به تنقسم القضايا إلى ذينك القسمين . ولكن البحث في الثاني بحث عن قضية شخصية مطروحة في باب فلسفي أو علمي ، نريد أن نعرف أنّها قضية حقيقية أو باطلة ، فنسعى إلى إثبات وجود ملاك الحقيقة أو ضدها فيها . ولنمثل لذلك بالعالم الطبيعي الّذي يبحث عن حقيقة الذهب والفضة ، فبعد البحث والتحليل يتوصل إلى أنّ الذهب هو عنصر طبيعي ، معدني ، أصغر اللون ، رنّان ، يذوب عند درجة ( 1063 ) سانتيغراد ، ويغلي عند درجة ( 2970 ) . والفضة عنصر ، طبيعي ، معدني رمادي اللون ، يذوب عند درجة ( 8 و 970 ) سانتيغراد ، ويغلي عند درجة ( 2210 ) . ثمّ بعد ما تبينت له الحقيقة بصورتها العلمية ، ربما يواجه قضية جزئية ، كتشخيص هذا الخاتم الّذي يلبسه ، هل هو ذهب أو فضة ، فهنا يحتاج إلى ملاك آخر ، يوصله إلى معرفة أيٍّ من ملاكات حقيقة الذهب والفضة موجودة فيه . ولأجل ذلك فصلنا البحث الثاني عن الأول ، وهما من المباحث المهمّة في نظرية المعرفة ، وفي هذا الفصل نبحث في المجال الأول ، ونستعرض آراء الفلاسفة القدامى والجدد فيه . * * * 1 . نظرية الفلسفة الإسلامية يرى الفلاسفة الإسلاميّون أنّ القضية الصادقة هي المطابقة للواقع ، والكاذبة هي المخالفة له . وإليك توضيح نظريتهم : إذا قيس موجود إلى موجود آخر ، فإمّا أن ينطبق أحدهما على الآخر ، كالذراع على الذراع ، والمتر على مثله ، فعندئذٍ يرى بينهما التوافق والانطباق ،