تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

206

نظرية المعرفة

نوع جديد يغاير الماء بدليل تغاير آثارهما . فالأوْلى أن يعبّر « هيجل » عن مقصوده بأنّ التغيرات الكيفية التدريجية ربما تبلغ درجة تنقلب فيها الطبيعة إلى نوع آخر . فينبغي أن يقال في مثل الماء : إنّ التبدّلات الكيفية التدريجية في الماء تتحول إلى تبدلات نوعية . وثانياً : لو صحّ هذا الأصل ، فلا يصحّ في هذا المقام أيضاً ، وذلك لما عرفت من أنّ هذا التبدّل ينتهي إلى تبدلات ماهوية وتغيرات جوهرية ، فعند ذلك تفقد المعرفة العقلية صلتها بالمعرفة الحسيّة ، فكيف تكون حاكية عنها ، مع أنّهما من نوعين مختلفين جوهراً وماهية . وإن شئت قلت : إنّ نسبة المعرفة العقلية إلى المعرفة الحسيّة ، كنسبة البخار إلى الماء ، بل كنسبة الذهب إلى النحاس على ما هو المنقول من أنّ بعض الكيميائيين القدماء كانوا يستطيعون بمعالجات كيميائية قلب النحاس إلى الذهب ، فعندئذٍ تكون الصورة الحسيّة كالنحاس ، والمعرفة العقلية كالذهب ، وبينهما بون شاسع بعيد ، واختلاف في الجوهر ، فلا يمكن جعل أحدهما حاكياً عن الآخر . وعلى ذلك ، فالقائل بهذا الأصل يجب أن يُعَدّ من المثاليين الذين ينكرون كاشفية العلم عن الواقع ، وقد تعرفت فيما مضى على أنّ الصلة الموجودة بين العلم ومحكيّه هي صلة الكاشفية والمكشوفية ، لا صلة التوليد والإنتاج ، وأنّ نسبة العلم إلى محكيه ليس كنسبة الوالدين إلى ولدهما أو نسبة الندى إلى البخار ، فإنّ تصوير الرابطة بهذه الصورة يستتبع المغايرة وهي تنتهي إلى نفي الكاشفية المنجر إلى إنكار الحقائق الخارجية أو التشكيك فيها . فليس للفيلسوف الموضوعي إلّا ولوج الباب الّذي ولج فيه الفلاسفة الإسلاميون ، وتفسير المعرفة العقلية بإحدى الصور الثلاث المتقدمة . 3 . المعرفة الآيوية عند الفلاسفة الإسلاميين وهناك معرفة أُخرى عند الفلاسفة الإسلاميين وتسمّى بالمعرفة الآيوية أو تبديل المعرفة السطحية إلى معرفة عُمْقِيّة .