تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

203

نظرية المعرفة

غير أنّ هناك غموضاً في كفية صنع الكليات من مشاهدة الجزئيات ، والرابطة المنطقية القائمة بين المعرفة الحسيّة والمعرفة العقلية . فانّ الإنسان عندما يطل بنظره إلى أفراد محدودة ، كيف يصنع منها مفهوماً كلّياً يشملها وغيرها ؟ أو أنّه عندما يجري عملية التجربة على عناصر خاصة ، كيف يصنع منها قاعدة كلية تعم ما جرّبه وغيره ؟ إنّ هذا العمل يشبه في بادئ النظر ، عمل المصور الّذي يلتقط صورة لعدة أشخاص معينين في مجلس ما ، ثمّ يدلّس في الصورة ، فيدخل فيها صور أشخاص لم يكونوا مع الذين التقطت صورتهم . فإنّ عمل العقل في مجالي التصور والتصديق من قبيل تبديل المعرفة الحسية المحدودة إلى معرفة عقلية كلّية تشمل ما لم يكن داخلًا في المعرفة الحسية . ولكن الحقيقة أنّ هناك فرقاً بين عمل العقل وعمل ذاك المصوّر ، فما هو ؟ الرابطة المنطقية بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية إنّ هذه المعضلة ( كيفية صنع الكليات من مشاهدة الجزئيات ) مطروحة في الفلسفة الغربية ، وقد حاول الكثير من الباحثين في نظرية المعرفة الإجابة عنها ، أمثال : « كانت » و « هيجل » ، ولكنهم لم يصلوا إلى شيء مقنع ، وسنذكر فيما يأتي ما أجابوا به . وقد سبقتهم الفلسفة الإسلامية إلى حلّها ببيان يظهر ممّا تقدم إيضاحه عند البحث عن عمليات أداة العقل ، فقلنا إنّ منها إدراكه للمفاهيم الكليّة وذلك بنحوين : إمّا عن طريق التجريد والانتزاع ؛ أو عن طريق تبديل المعرفة الحسيّة إلى المعرفة العقلية بالخلق والإبداع ، كما ذهب إليه الشيخ الرئيس أو الارتقاء من درجة إلى أُخرى كما ذهب إليه صدر المتألهين ، فلا نعيد . وعلى ضوء ذلك يظهر الفرق بين عمل العقل وعمل ذاك المصوِّر الّذي يقصد إشراك من لم يكن في المجلس ، فإنّ العقل لا يزيد على المعرفة الحسيّة شيئاً ، وإنّما يرقِّي معرفته إمّا عن طريق حذف المشخصات والأخذ بالمشتركات ، أو بأنّ النفس بعد مشاهدة المميزات والمشتركات تستطيع خلق مفهوم كلّي ، أو أنّها هي بذاتها تتكامل إلى معرفة أرقى .