تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

201

نظرية المعرفة

فالنتيجة أنّ وجود تلكما الشخصيتين وما اتّسمتا به ، ليس من الأُمور الحسيّة ، بل من الأُمور الاستنباطية العقلية المعلومة تحت ضوابط عقلية . 2 . نحن نعتقد بوجود حضارات ازدهرت عبر التاريخ ثمّ اندثرت ولم يبق منها إلّا الأطلال الّتي ترشد إليها . ولكن معرفتنا بها معرفة عقلية لا حسيّة ، وذلك لأنّ المشاهَد لنا هو الآثار الباقية ، وأمّا نفس الحضارات الّتي كانت مزدهرة ، فهي غائبة عن حواسنا وإنّما نستدلّ عليها بالآثار : إنّ آثارنا تدلّ علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار 3 . إنّ هناك أمماً كبيرة عفا عليها الزمن ، ونحن نذعن بوجودها ونتصور أنّ معرفتنا بها حسيّة ، مع أنّها في الحقيقة عقلية مستنبطة فالإنسان إذا رأى الأهرام في « الجيزة » يستدلّ فوراً على وجود أمّة في غابر الأزمان ، كانت واقفة على أُصول الهندسة ، وتمتلك رافعات عملاقة ، وجيشاً عظيماً من العمّال مكّنها كل ذلك من تشييد هذه الأهرام . « 1 » 4 . نحن نعتقد بوجود عواصم كبيرة كلندن وموسكو وطهران وطوكيو ، كما أنّ القاطنين في هذه العواصم يعتقدون بوجود عواصم أُخرى في شرق العالم وغربه ، ولم يروها بأمّهات أعينهم ولكنّهم مذعنون بذلك . وليست هذه المعرفة حسيّة بل عقلية مستنبطة ، حيث تتواتر الأخبار عن وجودها وعظمتها عن طريق المسافرين والرحّالة ، فيحكم العقل باستحالة أن يتواطأ هؤلاء جميعاً في إخبارهم . فالمحسوس لنا في الواقع هو نفس الإخبار وأمّا وجود البلدان فعقلي مستنبط . 5 . يقول راسل « 2 » : نحن نعتقد بوجود الشمس في السماء ، وأنّه ليست لدينا معرفة حسيّة أوضح منها . ولكن المحسوس لنا في الواقع هو ضوء الشمس

--> ( 1 ) . والقرآن يسمّي هذه المعرفة وسابقتها معرفة « آيوية » وهي الوقوف بالآية وخصائصها ، على ذي الآية وصفاته ، ويحثّ عليها في كثير من آياته . وعلى ذلك فمعرفة وجود خالق الكون لا تختلف عن معرفة الحضارات وأصحابها ، فالاستدلال عليها من باب واحد وهو الاستدلال بالآية على ذيها ، وسيأتي الكلام في ذلك . ( 2 ) . lessuR dnartreB ، ( 1872 - 1970 م ) .