تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

144

نظرية المعرفة

وهذا إشكال معروف طرحه الفلاسفة الإسلاميون في كتبهم وأجابوا عنه ، وقد روي أنّ الشيخ العارف ، أبا سعيد بن أبي الخير « 1 » ، أورد هذه الشبهة على رئيس الحكماء ابن سينا لإثبات أنّ الفكر غير موصل للإنسان إلى استكشاف المجاهيل ، لأنّ الاستنتاجات كلّها تحصل من طريق الشكل الأول ، والأشكال الثلاثة الأُخرى منتهية إلى الأول ، وهو مستلزم للدور . الجواب أُجيب عن هذه المشكلة بوجوه مختلفة ، أظهرها أنّ العلم بالنتيجة ، وإن كان موقوفاً على العلم بكلية الكبرى ، إلّا أنّ العلم بكليّة الكبرى موقوف على البرهان العلمي الدالّ على الملازمة بين بلوغ الحرارة درجة ( 100 ) ، وغليان الماء ، من غير ملاحظة مصداق دون مصداق . فليست صحة الكبرى ولا كليتها متوقفتان على العلم بالنتيجة أبداً ، بل متوقفتان على وجود تلك الملازمة ، وبما أنّ هذا الحكم ، حكم تجريبي ، يتوقف العلم بكليته على قياس عقلي ، وهو ما قدمنا بيانه من أنّ حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد ، ولا يتوقف أبداً على العلم بالصغرى . والّذي أوقعهم في الشبهة ، هو توهمهم أنّ الكبرى حصل بها العلم من طريق الاستقراء ، ومن المعلوم أنّ الحكمَ الكليَّ فيه ، يتوقف على العلم بحكم المصاديق تفصيلًا أو إجمالًا ، فيلزم عندئذٍ الدور . ولكنهم غفلوا عن أنّ العلم بالحكم الكلي ، تارة يحصل من الاستقراء التامّ ، فيحصل العلم بالنتيجة قبل العلم بالحكم الكلي ، وأُخرى بالبرهان الدالّ على الملازمة بين الموضوع ، والمحمول . وفي مثله ، لا يتوقف العلم بالحكم الكلي ، على العلم بأحكام الأفراد ، لا إجمالًا ولا تفصيلًا ، بل إذا علم من طريق البرهان أنّ بين غليان الماء ، وبلوغه درجة حرارة ( 100 ) ملازمة ، يحكم بأنّ درجة الحرارة هي ( 100 ) لكل مصاديق الماء الّذي يغلي . فالعلم بأحكام المصاديق ، يحصل من العلم بالحكم الكلي ، لا العكس ، كما هو مبنى الشبهة .

--> ( 1 ) . ( 357 - 440 ه ) .