تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
112
نظرية المعرفة
فالقائلون بالنسبية الفلسفية يؤكّدون الطابع النسبي لجميع الحقائق الّتي تبدو للإنسان ، سواء أكانت في مجال التصور والإدراك المفرد ، أو في مجال التصديق والإدراك المركب ، وذلك باعتبار الدور الّذي يلعبه حسُّ كلِّ فردٍ وعقلُه في عملية اكتسابه للحقائق المفردة أو المركبة . فليست الحقيقة في هذه النظرية إلّا الأمر الّذي تقتضيه ظروف الإدراك وشروطه . ولما كانت الظروف والشروط تختلف في الأشخاص ، والحالات المتنوعة ، كانت الحقيقةُ في كل مجال ، حقيقةً بالنسبة إلى ذلك المجال الخاص ، بما ينطوي عليه من ظروف وشروط . وليست الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع ، لتكون مطلقة بالنسبة إلى جميع الأحوال والأشخاص . « 1 » وبعبارة أُخرى : إنّ الصورة الواردة من الخارج إلى الذهن من طريق الحواس ، تخضع - في الكيفية والخصوصية - لكيفية تركيب الحواس ، وخواصها ، وكيفية عملها ، والظروف المحيطة بها حين عملية الإدراك . وبسبب دخالة هذه الأُمور في كيفية تبلور الحقيقة عند كل إنسان ، لا يمكن الحكم بأنّ ما نتصوره عن الخارج ، هو نفس الموجود في الخارج ، ولا يكون حجة إلّا على من كان مماثلًا لنا في تلك الكيفيات والظروف ، وأمّا المغاير لنا فيها ، فيدرك الواقع بشكل آخر . ولأجل ذلك يقول علماء النفس : إنّ كيفية الإحساس ، شدّةً وضعفاً ، يتبع الجهاز المنفعل . فرُبَّ طارئة تهز إنساناً بعنف ، وهي عينها لا تهز آخر إلّا قليلًا ، وما ذلك إلّا للاختلاف في الجهاز المنفعل . وقد راجت هذه الفكرة بعد « ديكارت » رواجاً كاملًا ، وقد كان هو يقول : « إنّ المشابهة بين الصورة الذهنية والخارجية ، ليست بأزيد من المناسبة بين اللفظ ومعناه » . فالقدر المشترك بينهما ، هو أنّ اللفظ مصدر انتقال الذهن إلى المعنى ، كما أنّ الشيء الخارجي منشأ انتقالنا إلى الصورة الذهنية عنه : فكما أنّ المعنى ليس إلّا نفس اللفظ ، وإنْ كان لا يفقد الرابطة ؛ فهكذا الصورة الذهنية ليست عين الخارج ، وإنْ كانت غير منقطعة الصّلة به . وعلى ذلك ، فما ندركه من الألوان والأصوات وغيرها من المحسوسات ، إنّما
--> ( 1 ) . لاحظ : فلسفتنا : 150 .