تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
105
نظرية المعرفة
العصا ثعباناً » ، وقَلَبَها ، وشاهدت ذلك منه ، لم أشُك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل لي منه إلّا التعجب من كيفية قدرته عليه ، فأمّا الشكّ فيما علمتُه ، فلا . ثمّ علمت أنّ كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين ، فهو علم لا ثقة به ، ولا أمان معه . وكل علم لا أمان معه ، فليس بعلم يقيني . ثمّ فتشت عن علومي ، فوجدت نفسي عاطلًا عن علم موصوف بهذه الصفة ، إلّا في الحسيات والضروريات ، فقلت : الآن بعد حصول اليأس ، لا مطمع في اقتباس المشكلات إلّا من الجليّات ، وهي الحسيّات والضروريات ، فلا بدّ من إحكامها أولًا لأَتيقن أن ثقتي بالمحسوسات ، وأماني من الغلط بالضروريات ، من جنس أماني الّذي كان من قبل في التقليديات ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمانٌ محقَّق لا غدر فيه ، ولا غائلة له ؟ . فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ، فانتهى طول التشكيك إلى أن لم تسمح لي نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً ، وأخذت تتسع للشك فيها ، وتقول : من أين الثقة بالمحسوسات ، وأقواها حاسة البصر . . . تنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار ، ثمّ الأدلة الهندسية تدلّ على أنّه أكبر من الأرض في المقدار . هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حكم الحس بأحكامه ، ويكذبه حاكم العقل تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته . فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات ، فلعلّه لا ثقة إلّا بالعقليات الّتي هي من الأَوليات ، كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة ، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد ، والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً ، موجوداً معدوماً ، واجباً محالًا . . . وقالت ( النفس ) : أما تراك تعتقد في النوم أُموراً ، وتتخيل أحوالًا ، وتعتقد لها ثباتاً واستقراراً ، ولا تشك في تلك الحالة فيها ، ثمّ تستيقظ ، فتعلم أنّه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل ولا طائل ؟ . فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحسّ أو عقل هو حق ؟ . . . فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس ، حاولت لذلك علاجاً ،