فخر الدين الرازي
97
النبوات وما يتعلق بها
معرفة ذات اللّه تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه . والدليل عليه : أن معرفة نبوة الأنبياء - عليهم السلام - متفرعة على معرفة الإلهيات ، فلو فرعنا معرفة الإلهيات على النبوات ، وقع الدور وأنه باطل . وأما معرفة مهمات المعاش ، ومصالح الدنيا . فإنها غير موقوفة على [ بعثة ] « 9 » الأنبياء والرسل . لأنا نرى أن من لا يؤمن باللّه ورسوله واليوم الآخر ، يسعى في تحصيل هذه المصالح على أحسن الوجوه . فعلمنا : أن التصرف فيها لا يتوقف على بعثة الأنبياء ، ولأن العقول الوقادة ، والخواطر الغواصة : وافية بتحصيل هذه المطالب . وأما كيفية العبادات . فهي أيضا معلومة بالعقول . لأن كل عمل يكون الاخلاص للّه تعالى فيه أكمل وأتم ، كان إلى القبول ، أقرب ، وكل عمل يشو به غرض [ من الأغراض العاجلة « 10 » ] وأيضا لما شهد العقل : بأن الدنيا فانية ، وبان الآخرة باقية : حكم صريح العقل بأنه يجب السعي في تقليل حب الدنيا ، وتقوية حب الآخرة . فهذه الأصول هي المطالب الأصلية للخلق ، والعقول وافية فيها بأسرها . فعلمنا : ان العقول وافية بمعرفة جميع مهمات الدنيا [ والآخرة ] « 11 » والدين . الحجة الثالثة : أن العلم بنبوة الأنبياء ، ووصول التكاليف من الله تعالى إلى الخلق ، لا يتم الا بعد أن يعرف بالعقل ، ومعرفة الله تعالى بذاته ، وصفاته ، وأفعاله ، وأحكامه ، وإذا كان العقل وافيا بهذه المطالب العالية الشريفة ، كان أيضا وافيا بمعرفة مصالح الدنيا والآخرة على ما بيناه في الطريقة الثانية . وكان أيضا : وافيا بكيفية العبادات ، وإذا كان العقل وافيا بهذه المطالب ، كان أيضا وافيا بمعرفة [ مصالح الدنيا ، لآن الوافي بمعرفة ] « 12 » المهمات العالية الشريفة ، أولى أن يكون وافيا بمعرفة المهمات النازلة الخسيسة
--> ( 9 ) معرفة ( طا ) . ( 10 ) سقط ( ت ) . ( 11 ) سقط ( ل ، طا ) . ( 12 ) سقط ( ت ) .