فخر الدين الرازي

95

النبوات وما يتعلق بها

حاصل فيه بالجواز لأن العقل علم أن إله العالم حكيم رحيم وأنه لا يكلف عباده فوق قدرتهم وطاقتهم ، فإذا كان ذلك الفعل مما لا يقدر العبد على الانفكاك عنه ، فلو أمره اللّه تعالى بالانفكاك عنه ، لكان قد كلفه ما لا طاقة له به وذلك قبيح عند العقل ونحن انما نتكلم الآن على تقدير أن يكون فحسين العقل وتقبيحه معتبرا فثبت : أن حكم العقل حاصل في هذا القسم أيضا . فقد ظهر بهذا البحث : أن حكم العقل حاصل في جميع أقسام الافعال . وإذا كان العقل كافيا في معرفة « 4 » ما يجب وما يجوز ويحرم ، لم يكن في البعثة فائدة . فان قالوا : لم لا يجوز أن يقال تحسن بعثة الأنبياء والرسل ؟ لوجوه : الأول : تأكيد ما في العقول . والثاني : أنه قد يحصن في بعض الأشياء منافع ومصالح ، لا يمكن الوقوف عليها بمجرد العقول ، فتحسن بعثة الأنبياء والرسل ، ليدلوا عليها ، ويعرفوا الخلق ما فيها من المنافع والمصالح . والثالث : ان عقول الخلق ناقصة قاصرة عن معرفة اللّه تعالى ومعرفة كيفية طاعاته . فكانت الحكمة في بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ارشاد الخلق ، إلى معرفة ذات اللّه تعالى وصفاته ومعرفة كيفية طاعاته . والرابع : انما أمر الله تعالى بهذه العبادات الشرعية ، لتكون الطافا في « 5 » الواجبات العقلية . وهذا قول المعتزلة . قلنا : أما الأول [ فضعيف ] لأنه لما كان العقل مستقلا بمعرفة وجوه الحسن والقبح ، والمصلحة والمفسدة ، كان أصل المقصود حاصلا ، وأما مراتب التأكيد فغير مضبوطة فإنه لو حصل مع ذلك النبي وجمع من الملائكة كان التأكيد أكثر ، ولو حصل معه جمع من العساكر المعصومين ، لكان التأكيد أبلغ ولكن لما حصل المقصود الأصلي ، لم يكن إلى هذه الزوائد حاجة . فكذا هاهنا . ولان

--> ( 4 ) في معرفة اللّه تعالى وما يجب ( ت ، ط ) . ( 5 ) سقط ( ل ، طا ) .