فخر الدين الرازي
92
النبوات وما يتعلق بها
الثاني : وهو انه لو أراد بهم ذلك ، لوجب أن يفرغهم من متاعب الدنيا وآلامها ، وأن يظهر لهم الدلائل الواضحة ، في أن الحق هو ذلك ، ولما لم يفعل بهم ذلك ، بل أحوجهم إلى الأشياء الكثيرة ، وعلم أن تلك الحاجات تحملهم على المعاصي ، ثم سلط عليهم الشهوات [ والشبهات « 24 » ] وسلط عليهم شياطين الانس والجن . ومن فعل بالعبد الضعيف الّذي يقل عقله ، وتضعف قدرته هذه المعاملة ، ثم يزعم : أنه أراد به الخير ، والفوز بالرحمة ، كانت العقول تنادى عليه : بأنه ما قصد الا الإساءة إليه والايذاء . والكلام في هذه المباحث مفرع على تحسين العقل وتقبيحه . فثبت : « 25 » ان هذين الوجهين ينافيان القول بجوار التكليف . الحجة الرابعة : أنه تعالى كان قادرا على أن يخلق الكل في الجنة ، وان يوصلهم إلى الخيرات والدرجات ، وأن يحميهم عن منازل الآفات والمخافات . وفلو أراد بهم خيرا لخلقهم على هذه الصفة ولما لم يفعل ذلك ، بل سلط عليهم الشهوات والشبهات ، وملا العالم من الشياطين علمنا : أنه ما أراد بهم خيرا وإذا كان الأمر كذلك ، أمتنع أن يقال : انه كلفهم لأجل التعريض للمصالح . أما الأول « 26 » وهو أنه كلفهم لا لغرض ومصلحة . فهذا غبث ، والعبث قبيح في العقول . ونحن انما نتكلم الآن على تسليم أن يكون تحسين العقل وتقبيحه معتبرا في أفعال الله تعالى وفي أحكامه ، وجب الجزم بفساد التكليف ، وبفساد بعثة الأنبياء والرسل . وأما القسم الثاني : وهو أن يكون الحق هو أن تحسين العقل وتقبيحه بأصل ، وغير معتبر في أفعال الله تعالى : وفي أحكامه . فنقول : فعلى هذا التقدير ، كان القول بفساد التكليف والبعثة : أظهر . لأن على هذا التقدير لا يمتنع اظهار المعجز ، على يد الكاذب ، ولا يمتنع ارسال الرسل ( بالفحش والكذب وشتم الله وشتم الملائكة ،
--> ( 24 ) سقط ( طا ) ( 25 ) هذه الوجوه تنافى القبول ( ت ) ( 26 ) القول بأنه ( طا ) .