فخر الدين الرازي
62
النبوات وما يتعلق بها
بأن خوارق العادات قد ظهرت على أيديهم ، بل قالوا بالبشرى واطمئنان القلوب . وقد جاء عن اطمئنان القلوب أيضا قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ قالُوا : رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ : أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ » [ فصلت 30 - 31 ] والمعنى أن المؤمنين باللّه والمستقيمين على شريعته - والمرء لا يكون وليا للّه تعالى الا بالايمان والاستقامة - إذا جاهدوا في اللّه وأوذوا في سبيله ، تنزل الملائكة على قلوبهم بالتثبيت على الايمان ، والتسلية ، كما هو معنى « وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا ، فَقالُوا : رَبُّنا : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » [ الكهف 14 ] أي ثبتنا على الحق قلوب أهل الكهف . وكما هو معنى « لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها » [ القصص 10 ] أي ثبتنا قلب أم موسى فلم تخف ولم تحزن ولم تبح لأحد عن ابنها شيئا . وقد جاء عن الهداية قوله تعالى : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » [ العنكبوت 69 ] أي من يفكر في أمر خدمة للّه ويبحث عنه ، يهديه اللّه إلى ما يريد . نزول الملائكة على الأولياء ونزول الشياطين على الفاسقين : ومجمل الكلام : ان أولياء اللّه تتنزل عليهم الملائكة نزولا على القلب ، لتثبيت الايمان ولتوجيه الولي نحو العمل الصالح الّذي يرضى اللّه تعالى . وأن أولياء الشيطان تتنزل عليهم الشياطين للوسوسة والاغواء ، كما قال تعالى : « هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ » [ الشعراء 221 - 223 ] والملك من الملائكة إذا نزل على الولي ، لا يظهر حسيا ، متشكلا بأي شكل من الأشكال الحسنة ، وانما هو ينزل لتثبيت القلب من غير أن يراه الولي . فان الملائكة لما نزلت يوم بدر لم تنزل نزولا حسيا ، وانما نزلت على قلوب المؤمنين . ودليل ذلك قوله تعالى : « وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ » . واطمئنان القلوب والهداية إلى الأمر الّذي يبحث عنه المسلم . وانما أنكروا الكرامات في نظر المتصوفة : والذين أنكروا كرامات الأولياء من علماء المسلمين ، لم ينكروا البشرى