فخر الدين الرازي

56

النبوات وما يتعلق بها

على طول الزمان ، وقد نصح اللّه بني آدم بالبعد عن وساوسهم . وبالبعد عن مساعداتهم وهو لا ينصح بالبعد عنهم الا إذا كان بنو آدم قادرين على مقاومة الشياطين . وإذا جوزنا أن خير بني آدم لم يستعص على الشيطان . فقد بطلت النبوة ، وبطلت القدوة . وهذا لا يقول به رجل من أهل اللّه . يقول تعالى : « وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ : اسْجُدُوا لِآدَمَ ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ، أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ؟ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا » [ الكهف 50 ] الخلاف بين العلماء في عقوبة الساحر والساحرة : وقد اختلف علماء المسلمين في العقوبة التي ينالها المشتغل بالسحر فقال بعضهم يقتل . واستدلوا بدليل من دليلين : الدليل الأول أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما ينسخه . وشرع من قبلنا ينص على قتل الساحرة والساحر ، فقد جاء في التوراة : « لا تدع ساحرة تعيش » وجاء فيها : « لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا من يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ، ولا من يرقى رقية ولا من يسأل جانا . . الخ » والدليل الثاني : أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كتب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة « 1 » وأن حفصة - رضى اللّه عنها - زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم أمرت بقتل جارية لها سحرتها ، فقتلت . ورأى هؤلاء غير صحيح لأن أدلتهم غير صحيحة . أما أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما ينسخه . فهذه قاعدة في أصول الفقه بثها اليهود في الاسلام ليجعلوا لكتابهم الّذي صار منسوخا بالقرآن ، والّذي بدلوه من قبل القرآن وكتبوه بأيديهم ، يريدون أن يجعلوا لكتابهم شأنا . وقد أغنانا اللّه عنه بقوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » [ المائدة 3 ] وأما أن عمر بن الخطاب كتب بقتل الساحرة والساحر ، وأن حفصة قد سحرتها جارية كما سحر زوجها وأمرت بقتل الساحرة وما شابه ذلك من أحاديث الآحاد ، فكلام غير موثوق به لأن المسلمين اختلفوا في الحكم به على الساحرة ، ولو كان الحديث صحيحا لما أنكره بعضهم فان مالك وأحمد قالا : يقتل بمجرد فعله

--> ( 1 ) البخاري . ولما ذا كتب عمر مع أنه متبع ؟