فخر الدين الرازي

54

النبوات وما يتعلق بها

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم ومن أجل ذلك بين أن ما يحدث من ضرر ، فإنه من اللّه نفسه ، وقد ساق إليه الوهم ليتضرر الانسان بالوهم لسوء فعله وهذا المعنى مثل المعنى من قوله تعالى : « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ » [ التغابن 11 ] أي أن من كانت نيته إلى الخير ، ييسر اللّه له كل سبل الخير ، والخير والشر في العالم لا يحدث الا بأذن اللّه . وعلى هذا التفسير يتبين للناس : أن اللّه تعالى قد رد كيد اليهود إلى نحورهم ، ونفى ما ادعوه وأشاعوه من تأثير للسحر . وأثبت أن السحر لا حقيقة له ولا تأثير له . علماء اليهود يشوشون على حكم القرآن في السحر : والفسقة من علماء اليهود عز عليهم أن يكذب اللّه دعاويهم في السحر التي يأكلون بها السحت ويستمتعون بها بالنساء فتزيا منهم نفر بزى علماء المسلمين ، وألقوا أحاديث تشكك الناس في الدين ، ونسبوها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولما كان من المعلوم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ولا يحب الكذب ، ابتدعوا سلاسل الرواة ، لايهام الناس بأن الحديث الّذي وضعوه صحيح النسبة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وعلماء المسلمين قد اجتهدوا في التمييز بين الصحيح والكاذب . وما يصح عند عالم قد يكون غير صحيح عند آخر ، وما لا يصح عند عالم قد يكون صحيحا عند آخر . ولكل عالم همته ودرجته . والحديث المبين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد سحره يهودي ليس حديثا مفسرا لآيات من القرآن ، وانما هو من الأحاديث الصحيحة عند قوم والكاذبة عند آخرين . والأليق - لمقام النبوة - أن نحكم عليه بالكذب ، لأن العلماء إذا اضطرب رأيهم في أمر فيه شبهة ، وجب حسم الاضطراب ناحية الأصلح والأخلق . أي أنه إذا كان الحديث يثبت الخلل في عقل النبي - على أسوإ تقدير - في ساعة من الساعات - مع أن هذا لا يقول به عاقل - وللحديث أنصار وخصوم ، فان الحديث في الحالة هذه لا يكون في قوة القرآن حتى نلزم الناس به ، ونقاتلهم عليه .