فخر الدين الرازي

47

النبوات وما يتعلق بها

ما هو هذا التبرير ؟ قالوا : اننا نقدر على تثبيت هذه الحالة ونقدر على منعها . نقدر على أن نعمل حجابا أو تميمة لتثبيت أي عمل أو منعه . فبدل أن يأتي الشيطان على مراده هو ، وفي أي وقت يشاء هو ، نحن نقدر بالأعمال أن نجبره على الاتيان على مرادنا نحن ، وفي أي وقت نشاؤه نحن . ثم تخطوا هذا القدر قليلا فقالوا : ونقدر أيضا بالأعمال أن نجعل الزوج يحب زوجته ، أو يكرهها . وأيضا نجعل المرأة محبة لزوجها أو كارهة له . وغرض هؤلاء الفسقة من العلماء : أن يستولوا على أموال الناس من جهة ، وأن يستدرجوا النساء في الخلوات من جهة . والانسان تحت التأثير الشديد لا عقل له ولا إرادة له . هذا هو التبرير الّذي ابتدعوه . ولكي يقنعوا الناس به ادعوا عليه دليلا وهميا ، لا حقيقة له ، ولا سند له . زعم اليهود عن هاروت وماروت : وهذا التدليل الوهمي الّذي ادعوه هو : ان اللّه تعالى - وان كان قد حرم السحر في شريعة موسى - الا انه من حبه لنا - لأننا نحن أبناء اللّه وأحباؤهم - لما علم بالشدة التي نحن فيها في بابل ، وأراد تخفيف الشدة علينا ، أنزل علينا هاروت وماروت ، وهما من ملائكة السماء ، وهذين الملكين ، نزلا علينا لتعليم السحر الّذي يفرق بين الزوج وزوجه ، ويقرب بين الزوج وزوجه . ولكي يصدق الناس هذا الادعاء الباطل : زعموا أن نبيها منهم هو النبي سليمان عليه السلام كان يسخر الشياطين بالرقى والعزائم - ولم يكن سليمان عليه السلام يسخر الشياطين بالرقى والعزائم ، فان اللّه تعالى هو الّذي سخرهم لا طاعته باذنه هو - لقد زعم الفسقة من علماء اليهود أن سليمان عليه السلام كان يسخر الشياطين بالرقى والعزائم . وزعموا : أنه لم يعلم أحدا رقية ولا عزيمة . حتى أن الناس جهلوا الرقى والعزائم إلى أن نزل هاروت وماروت بعد زمان طويل من موت سليمان وعلما الفسقة منهم تلك الرقى والعزائم . وزعموا : أن سليمان كان كافرا لأنه استخدم السحر في الضرر ، ولو كان قد استعمله في النفع وحده مثلنا ما كان كافرا . وزعموا : أن هاروت وماروت لما نزلا لم يعلما كل علماء اليهود ، بل علما من أراد التعلم من العلماء ، وزعموا : أن مريد التعلم من الملكين يقول