فخر الدين الرازي
43
النبوات وما يتعلق بها
المبحث الرابع في علم السّحر النبوة والسحر : إذا تكلم انسان في اثبات النبوة ، يتكلم هذا الانسان أيضا في نفى السحر « 1 » لأن النبوة تستلزم فيها المعجزات ، والمعجزات والسحر من الأمور الخارقة للعادة فيثبت النبوة بالمعجزات . وينفى السحر لأنه لا أصل له ولا حقيقة له . فمن يتكلم مثلا في نبوة موسى عليه السلام . عليه أن يثبتها بالمعجزات التي أجراها اللّه على يده . مثل قلب العصا ثعبانا فان قال قائل وقتئذ : ان موسى قلب العصا ثعبانا لأنه ساحر . - وهكذا قال فرعون - فان اللّه تعالى الّذي أيد موسى بالمعجزة يدافع عنه ، ويبين للناس أن السحر تخيلات وأوهام في نظر العوام من الناس . أما فعل موسى نفسه فهو قلب الحقائق ، أي أن العصا تحولت إلى ثعبان من لحم ودم ، وأن حبال السحرة وعصيهم لم تتحول إلى ثعابين من لحم ودم ، وانما تخيل إلى الناس من سحرهم أنها تسعى ، ولكن لم تسع على الحقيقة ، بل على الخيال والوهم . التوراة تحرم السحر : والتوراة قد حرمت السحر ، وبجوار النص على التحريم ، نصت على أن اللّه تعالى سير سل نبيا مثل موسى في يوم من الأيام ، مما يدل على الشبه القوى بين السحر والمعجزات .
--> ( 1 ) السحر هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخيلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة ، الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب ، فيظنه ماء . . . وقد اختلف ، هل له حقيقة أم لا ؟ فذهبت المعتزلة وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا أصل له ولا حقيقة . . . الخ [ فتح القدير للشوكاني ] .