فخر الدين الرازي

41

النبوات وما يتعلق بها

حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ » [ النساء 43 ] ثم قوله : « إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ » [ المائدة 91 ] ثم قوله : « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ، فَاجْتَنِبُوهُ » [ المائدة 90 ] كما ذكر القرطبي في تفسيره . والمانعون للنسخ يقولون : ان الخمر لم تحرم بالتدريج ، بل حرمت مرة واحدة . ودليلهم قول اللّه تعالى : « قُلْ : إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ . وَالْإِثْمَ . وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ . » الآية [ الأعراف 33 ] ففي هذا القول الكريم حرم اللّه « الاثم » سواء كان « الاثم » قليلا أو كثيرا . وقد بين اللّه تعالى أن في الخمر « إِثْمٌ كَبِيرٌ » وإذا كان الاثم القليل محرما ، فالاثم الكبير محرم من باب أولى . وعلى ذلك تكون الخمر محرمة بآيتين . آية الأعراف المكية ، وآية البقرة المدنية . وفي تفسير القرطبي : أن الحسن - رضى اللّه عنه - فسر « الاثم » بالخمر ، واستدل بقول الشاعر : شربت الاثم حتى ضل عقلي * كذلك الاثم تذهب بالعقول وفي تفسير القرطبي ، عند قوله تعالى : « لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى » [ النساء 43 ] : « قال قوم : السكر محرم في العقل ، وما أبيح في شيء من الأديان ، وحملوا السكر في هذه الآية على النوم » . المثال الثالث : ويقول القائلون بالنسخ : انه تعالى قد فرض الحرب على المسلمين إذا كانوا بالنسبة إلى أعدائهم ، كالواحد بالنسبة إلى العشرة . ثم نسخ الفرض إلى أن يكونوا كالواحد بالنسبة إلى الاثنين . وذلك في قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ . وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً . فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ . وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » [ الأنفال 65 - 66 ] . ورد المانعون للنسخ بقولهم : ان هذا الفرض من قبيل « التخفيف » لا « النسخ » والمعنى : أن المؤمن الصابر يقدر على قتال عشرة ، واللّه لو