فخر الدين الرازي
39
النبوات وما يتعلق بها
فلما ذا تختلف عقيدة النصارى في « وحدانية اللّه وتنزيهه » عن عقيدة بني إسرائيل وأهل الاسلام ؟ لئن سأل سائل عن هذا المعنى ، فإننا نجيب بأن « وحدانية اللّه وتنزيهه » منصوص عليها في التوراة وفي الأناجيل الأربعة . وعقيدة « التجسيم » أو « التجسد » التي يقول بها « الأرثوذكس » وعقيدة « تعدد الآلهة إلى ثلاثة » التي يقول بها « الكاثوليك » ليس عليهما نص في التوراة ولا في الأناجيل . وأنما ابتدعهما النصارى الضالون في المجامع التي عقدوها من بعد المسيح - عليه السلام - في مجمع « نيقية » سنة 325 م وفي مجمع « القسطنطينية » سنة 381 م وفي مجمع « خليقدونية » سنة 451 م ففي التوراة عن الوحدانية : « اسمع يا إسرائيل . الرب الهنا رب واحد » [ تثنية 6 : 4 ] وفي التوراة عن التنزيه : « ليس مثل اللّه » [ تثنية 23 : 26 ] وفي إنجيل مرقس : « فأجابه يسوع : ان أول كل الوصايا هي : اسمع يا إسرائيل . الرب الهنا رب واحد . . . فقال له الكاتب : جيدا يا معلم . بالحق قلت . لأنه اللّه واحد ، وليس آخر سواه » [ مرقس 12 : 29 - 32 ] ويقول متى : ان المسيح قال لتلاميذه : « من يقبلكم يقبلني ، ومن يقبلني يقبل الّذي أرسلني » [ متى 10 : 40 ] ومن هذه النصوص يتبين أن قول « الأرثوذكس » بأن اللّه تعالى دخل بطن مريم بقوة الروح القدس ، ثم خرج طفلا بعد تسعة أشهر ، وحمل لقب المسيح ، ثم بعد ثلاثة وثلاثين عاما ، فتله اليهود وصلبوه ودفنوه في القبر ، وأنه نزل الجحيم وتعذب ثلاثة أيام من أجل خطايا الآدميين ، ثم ارتفع إلى السماء . قولهم هذا الّذي يدل على أن اللّه قد تجسد في صورة المسيح ، وأن اللّه هو المسيح ، قول ما عليه من دليل ، لا من التوراة ولا من الإنجيل . ويتبين أن قول « الكاثوليك » بأن اللّه تعالى : إله ، وأن المسيح إله ، وأن الروح القدس إله . وكل إله مستقل بذاته ، ومستقل بعمله عن غيره . قولهم هذا الّذي يدل على أن المسيح إله ثان من آلهة ثلاثة : قول ما عليه من دليل ، لا من التوراة ولا من الإنجيل . القرآن كله محكم : والمسلمون متفقون على أن القرآن الكريم ، قد نسخ التوراة ، وأبطل العمل بأحكامها . والمسلمون مختلفون في شأن القرآن الكريم من حيث أنه