فخر الدين الرازي

35

النبوات وما يتعلق بها

النسخ بين اليهودية والاسلام : ولننتقل بعد ذلك إلى النسخ بين اليهودية والاسلام ، بعد ما وضحنا أن النصرانية التي جاء بها المسيح هي اليهودية التي جاء بها موسى . ونقول : هل يستبعد النسخ أهل الكتاب ؟ لا يحق لهم أن يستبعدوا نسخ القرآن لأحكام التوراة ، لأن كتبهم تشهد بوقوع النسخ في شرائع اللّه ، وواقع حالهم شاهد عليهم أيضا ، فقد جاء في التوراة أن اللّه تعالى بارك على نوح - عليه السلام - وقال له ولبنيه : « أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض ، ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وطيور السماء ، مع كل ما يدب على الأرض ، وكل أسماك البحر : قد دفعت إلى أيديكم . كل دابة حية تكون لكم : طعاما ، كالعشب الأخضر ، دفعت إليكم الجميع » [ تكوين 9 : 1 - 3 ] وفي زمان يعقوب - عليه السلام - حرم على نفسه « عرق النسا الّذي على حق الفخذ » من قبل أن تنزل التوراة على موسى ، وحرمه بنو إسرائيل على أنفسهم : فقد جاء في آخر الأصحاح الثاني والثلاثين من سفر التكوين : « لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء ، الّذي على حق الفخذ ، إلى هذا اليوم » وهذا التحريم في عرف العلماء ناسخ للأمر ، الّذي هو أن كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل . ولما نزلت التوراة على موسى - عليه السلام - حرم اللّه فيها الميتة والدم ولحم الخنزير والمذبوح للأوثان والجمل ، والأرنب والنسر والغراب وابن عرس والفأر والضب « وكل دبيب يدب على الأرض » وغير ذلك كثير ، جاء ذكره في الأصحاح الحادي عشر من سفر اللاويين . وتحريم ذلك كله ناسخ للأمر بإباحته من عهد نوح - عليه السلام - . وفي القرآن الكريم أباح اللّه للمسلمين أطعمة كانت محرمة على بني إسرائيل ، فقد حرم الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والمذبوح للأوثان كما جاء في التوراة . وأباح غير هؤلاء الأربعة من الأطعمة إذا استساغته النفوس وقبلته . يقول تعالى : « قُلْ : لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » [ الأنعام 145 ] والمفهوم من نص الآية هذه : أن الآية محكمة . ولا يحرم الا ما فيها ، وهو يروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وهو مذهب الامام مالك - رضى اللّه عنه - فقد قال : « لا حرام بين الا ما ذكر