فخر الدين الرازي

32

النبوات وما يتعلق بها

غير أقوال العلماء المحرمة ، فهو لم ينسخ النص ، وانما نسخ أقوال العلماء التي تفوهوا بها بدون دليل . وقد لاحظ ذلك غير واحد من مفسري القرآن الكريم . ففي تفسير الآلوسي البغدادي عند قوله تعالى : « وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ » ما نصه : « وذهب بعضهم إلى أن الإنجيل لم يخص أحكاما ، ولا حوى حلالا ولا حراما ، ولكنه رموز وأمثال ومواعظ وزواجر وما سوى ذلك ن الشرائع والأحكام فمحالة على التوراة . وإلى أن عيسى - عليه السلام - لم ينسخ شيئا مما في التوراة ، وكان يسبت ويصلى نحو البيت المقدس ويحرم لحم الخنزير ويقول بالختان . الا أن النصارى غيروا ذلك بعد رفعه . . الخ » . وفي الإنجيل أمثلة كثيرة على موقف المسيح من تشديدات الربانيين والأحبار . ونكتفي بهذا المثال للايضاح وللبيان : في الأصحاح الرابع والثلاثين من سفر الخروج : « ستة أيام تعمل . وأما اليوم السابع فتستريح فيه . في الفلاحة وفي الحصاد تستريح » [ خر 34 : 21 ] فاليوم السابع ، وهو يوم السبت راحة لبنى إسرائيل من العمل . والنص يبين : أن العمل المحرم عليهم في السبت هو العمل اليومى المعتاد في الفلاحة وفي الحصاد وما أشبه ذلك . فزاد العلماء من تلقاء أنفسهم : أن أي عمل صغيرا كان أو كبيرا هو محرم ، حتى أنهم منعوا المرأة من أن تنظر في المرآة يوم السبت ، خشية أن تجد شعرة بيضاء في رأسها فتنزعها . والنزع عمل من الأعمال . فما ذا كان من المسيح ؟ لقد حكى عنه مرقس في الأصحاح الثاني من إنجيله أنه اجتاز بين الزروع هو وتلاميذه يوم سبت « فابتدأ تلاميذه يقطفون السنابل وهم سائرون » وقطف السنابل عمل . فلما رأى علماء الفريسيين - الذين يدعون الغيرة على الشريعة - قالوا للمسيح : « انظر ! لما ذا يفعلون في السبت ما لا يحل ؟ » وأجاب المسيح بأن ذلك العمل غير محرم . فان الضرورة دعت داود - عليه السلام - أن يأكل من خبز كان محرما عليه . معنى الإنجيل : وإذا كان المسيح على ما بينا ، كان هذا شأنه ، فما معنى الإنجيل النازل من السماء ؟ الإنجيل ، كلمة يونانية معناها : « البشرى المفرحة » أو « الخبر السار » وهذا بدل على أنه كان خبر عند بني إسرائيل بشيء يفرحهم ، والمسيح