فخر الدين الرازي

217

النبوات وما يتعلق بها

الفصل الثالث في الطريق الّذي حصل به الوقوف على طبائع الأجرام الفلكية ( اعلم : أن الطريق إليه أحد أمور ثلاثة : القياس والتجربة والوحي . أما القياس ) « 1 » فهو أنهم لما شاهدوا الكمودة في لون « زحل » وهذه الكمودة تناسب السواد ، حكموا عليه بكونه باردا يابسا ، ولما شاهدوا الحمرة في لون « المريخ » وهذا اللون يشبه لون النار - حكموا عليه بكونه حارا يابسا . والمختار عندنا : أن هذا الطريق ضعيف جدا ، لا يجوز التعويل عليه . لأنه ثبت في علم الطب : أن الاستدلال بالألوان المخصوصة على حصول الطبائع المخصوصة ، أضعف أقسام الدلائل . بل الحق : أن هذه الألوان دالة دلالة ضعيفة على هذه الطبائع ، فلما أضافوا إليها التجارب ، خرجت التجربة مطابقة لهذا القياس ، فحصلت معرفة طبائعها بناء على مجموع الأمرين القياس هو المبدأ المحرك للعقول والخواطر ، وهذه التجارب هي التمام والكمال . واعلم : أن طريق التجربة : هو أنه متى حدث نوع من أنواع الحوادث في هذا العالم ، فان صاحب التجربة يتعرف أن الأوضاع الفلكية كيف كانت ؟ تعرفا على ( سبيل الاستقصاء والكمال ، فإذا وقع مثل ذلك الحادث مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة ) « 2 » وتعرف الأحوال الفلكية ، وجدها مثل الحالة الأولى ، فحينئذ يحصل في القلب : ظن قوى بأن ذلك الوضع الفلكي المعين يوجب حدوث النوع الفلاني من الحوادث في هذا العالم . والحاصل : أن التجربة عبارة عن الاستدلال بحدوث الحوادث

--> ( 1 ) من ( ل ، طا ) . ( 2 ) من ( ل ، طا ) .