فخر الدين الرازي
21
النبوات وما يتعلق بها
« مشنة التوراة » قال لموسى في وقفة على جبل سيناء : « أقيم لهم نبيا . . الخ » ودليل ذلك قوله في هذا الملك « فتحفظ له ، وامتثل قوله . . الخ » ولا شك أن هذه الوصية انما هي لجمهور الناس ، وليس جمهور الناس يتجلى لهم الملك ولا يأمرهم ولا ينهاهم ، حتى يؤمروا أن لا يخالفوه . وانما معنى هذه القولة : أنه تعالى أعلمهم أن نبيا يكون فيهم يأتيه ملك يكلمه ويأمره وينهاه . فنهانا اللّه عن مخالفة ذلك الملك الّذي يوصل إلينا النبي كلامه . كما بين في « مشنة التوراة » وقال : « له تسمعون » وقال : « وأي انسان لم يطع كلامي الّذي يتكلم به باسمي . . . الخ » وهو بيان قوله : « لأن اسمى فيه » . وانما هذا كله اعلام لهم : أن هذا المشهد العظيم الّذي رأيتموه - أعنى الوقفة على جبل سيناء - ليس هو أمرا دائما معكم ، ولا يكون في المستقبل مثله ولا تكون دائما ، لا نار ولا سحاب ، كما هو الآن على هذا المسكن أبدا . وانما يفتح لكم البلاد ويمهد لكم الأرض ، ويعلمكم بما تفعلونه . ملك أرسله لأنبيائكم فيعلمكم ما ينبغي اتيانه ، وما يلزم اجتنابه . وفي هذا أيضا : أعطى القاعدة التي لم أزل أبينها دائما وهي : أن كل نبي غير سيدنا موسى ، فإنه يأتيه الوحي على أيدي ملك فاعلمه « 1 » » يريد ابن ميمون أن يقول : أولا : لما خرج بنو إسرائيل من مصر مع موسى عليه السلام ، واستقروا حول جبل سيناء . اللّه عز وجل طلب من موسى أن يجمع اليهود لأخذ العهد والميثاق . ولما جمعهم نزل سحاب وضباب ورأوا نارا ودخانا . فقالوا لموسى : إذا أراد اللّه أن يسمعنا صوته مرة أخرى ، فليسمعنا صوته عن طريق نبي يرسله إلينا ، ونحن نسمع لذلك النبي ونطيع . فقال اللّه : « قد أحسنوا فيما نكلموا أقيم لهم نبيا . من وسط اخوتهم . مثلك . وأجمل كلامي في فمه » . ثانيا : يقول ابن ميمون : ان اللّه وعد بني إسرائيل وهم في سيناء بأن يرسل « ملاكا من ملائكة السماء » يهدى رؤساءهم إلى الطرق الممهدة الموصلة
--> ( 1 ) دلالة الحائرين ص 400 - 401 .