فخر الدين الرازي

193

النبوات وما يتعلق بها

معها ، ويسمع أصواتها ، ويرى أشكالها . ثم لا تكون موجودة البتة في الخارج ، جاز أيضا في كل هذه الأشياء التي نراها ونسمعها من صور الناس والجبال والبحار وأصوات الرعود ، أن لا يكون لشيء منها وجود في الخارج ، بل يكون محض الخيال ومحض الصور المرتسمة في الحس المشترك . ومعلوم أن القول به مخض السفسطة . بل نقول : هذا في البعد عن الحق ، والخوض في الجهالة ، أشد من الأول لأن على القول الّذي نحن به جازمون بأن كل ما رأيناه فهو موجود حق ، الا أنه يلزمنا تجويز أن يكون قد حضر عندنا أشياء ، ونحن ما رأيناها . وتجويز هذا لا يوجب الشك في وجود كل ما رأيناه وسمعناه . أما على القول الّذي يقولونه ، فإنه يلزم وقوع الشك في وجود كل صورة رأيناها وكل صوت سمعناه ، وذلك هو الجهالة التامة ، والسفسطة الكاملة . فثبت : أن القول الّذي اخترتموه في غاية الفساد . فان قالوا : ان حصول هذه الحالة مشروط بحصول أحوال : منها : أن يكون الانسان نائما . ومنها : أن يكون ضعيف العقل ، كما في حق المجانين . ومنها : أن يكون كامل النفس ، قوى العقل . كما في حق الأنبياء والأولياء . فإذا لم ( يحصل شيء من بهذه الأحوال . وكان الانسان باقيا على مقتضى المزاج المعتدل ، فحينئذ ) « 21 » يحصل القطع بوجود هذه الأشياء في الخارج . فنقول في الجواب : ان بالطريق الّذي ذكرتم . ظهر أنه لا يمتنع أن يحس الانسان بوجود صور ، مع أنها لا تكون موجودة أصلا . وإذا ظهر جواز هذا المعنى فنحن انما يمكننا انتفاء هذه الحالة ، إذا دللنا على أن الأسباب الموجبة لحصول هذه الحالة . محصورة في كذا وكذا ، ونقيم على هذا الحصر برهانا يقينيا . ثم نبين في المقام الثاني : أنها بأسرها منقضية زائلة بالبرهان اليقيني . ثم نبين في المقام الثالث : أن الحكم حال بقائه لا يستغنى عن السبب . فان بتقدير ( أن يكون الأمر كذلك ، لم يلزم

--> ( 21 ) المعتدل لم يحصل شيء من هذه الأحوال فحينئذ ( ل ، طا ) وما بين القوسين : سقط ( ت ) .