فخر الدين الرازي
191
النبوات وما يتعلق بها
الفرع الثاني : في كيفية الاخبار عن الغيب : اعلم أن النفس ( الناطقة « 16 » ) إذا كانت كاملة القوة ، وافية بالوصول : إلى الجوانب العالية والسافلة ، وتكون في القوة بحيث لا يضير اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالمبادئ المفارقة ، ثم اتفق أن كانت ( قوتها الفكرية ) « 17 » قوية الفكر قادرة على انتزاع لوح الحس المشترك عن الحواس الظاهرة ، فحينئذ لا يبعد أن يقع لمثل هذه النفس في حال اليقظة ، مثل ما يقع للنائمين من الاتصال بالمبادئ المفارقة . فحينئذ ترتسم من بعض تلك المفارقات صور تدل على وقائع هذا العالم في جوهر النفس الناطقة . ثم إن القوة المتخيلة لأجل قوتها تركب صورا مناسبة لها ، ثم تنحدر تلك الصورة إلى لوح الحس المشترك ، فتصير مشاهدة . وعند هذه الحالة فقد يسمع ذلك الانسان كلاما منظوما من هاتف ، وقد يشاهد منظرا في أكمل أبهة وأجل صورة وتخاطبه تلك الصورة بما يهمه من أمواله ، وأحوال من يتصل به . ثم إن كانت هذه الصورة المحسوسة منطبقة على تلك المعاني التي أدركتها النفس الناطقة ، كان ذلك وحيا صريحا ، وان كانت الصورة الخيالية مخالفة لذلك المعنى العقلي من بعض الوجوه ، كان ذلك وحيا محتاجا إلى التأويل . والصارف للقوة المتخيلة عن هذا التغيير والتبديل أمران : الأول : ان الصورة المنطبعة في النفس الناطقة الفائضة من جانب المبادي العالية ، إذا فاضت على نعت الجلاء والوضوح ( صارت تلك القوة مانعة للخيال عن التصرف فيها ، كما أن الصور المحسوسة المأخوذة من الخارج ، إذا كانت في غاية الجلاء والظهور ) « 18 » فحينئذ تعجز القوة المتخيلة عن التصرف فيها . والثاني : ان جوهر النفس الناطقة ، إذا كان في غاية القوة ، فحينئذ يقوى على منع القوة المتخيلة من التصرف في تلك الصور بالتغيير والتبديل .
--> ( 16 ) سقط ( طا ) . ( 17 ) من ( ل ، طا ) . ( 18 ) من ( ل ، طا ) .